الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
طفلةٌ تُـدين المطر
 
سوزان عليوان شاعرة طفلة تتخذ من بيروت عاصمة لنشيدها الطويل حول المطر, طفلة تخشى المطر!! ولا ترى غيره أيضا, غير أن هذا النشيد لم يتجل كمقطوعات ملحمية مقرقعا الأجراس والكلمات الفخمة والإجازات الحافلة بعقائد الرب, وتاريخ الإنسان أو المجازات المرصّصة بالصور, بل جاء هكذا عبر تقشفٍ بلاغي, وأسطر منتقاة تتسوّر حول لحظات تأملية يبلغ فيها الاستفهام ذروته.. لحظةٌ للسؤال ولحظةٌ للاستنكار, واللحظتان كلمة شعرٍ تنبجس من قلبٍ خفوقٍ تعترض العابرين المدنسين بتقاليد الجمال..
(كراكيب الكلام) عنوان لافت وغير اعتيادي لكراس شعري صُمم بفرادةٍ ليخبر عن ذائقةٍ جماليةٍ شعريةٍ تحض شاعرة واحدة لا شريك لها فيها.. لا تنشطر إلى نصوص وعناوين, بل نص واحد يسرد التفاصيل متخذا نفسا طويلا ويتشكل أحيانا إلى مقطوعاتٍ صغيرةٍ مكثفةٍ, والمطر يسقط في مدينة الشاعرة التي لا زالت طفلة تخشاه.
- وأنت يا يدي
من أين جئتِ بكل هذه الجرأة؟  ص: 5.
 
- بأيِّ تواصلٍ أوهمتُ أصابعي؟
بأيِّ وصولٍ يا خطوتي حَلُمنا
اليدُ التي امتدت بوردةٍ
عادتْ بخيبتها وحيدةً
الطرق كانت باستدارة الخواتم
والمطر بالغ الكثافة
كهذه السماء المتساقطة من دون ملائكةٍ
كظلال الصّمت في تلك الرسائلْ
لأنَّ الصباح فقد لهفته
لأنني تجاوزت رغبتي
وأفرغت الكلام من كراكيبه الكثيرة
لأنّني بلا أصدقاء
قلبي وردةُ ظلٍّ.          ص: 10.
 
- لأنَّ الله واحدٌ والموت لا يُحْصى
ولأننا لم نعد نتبادل الرسائل
يحدثُ المطر
في الفراغ الذي بين قطرة وأخرى
هذا الدويَّ الهائل.      ص:11.
 
لليد جرأة والمطر كثيف والسماء دون ملائكة والموت كثير, لذا كان للمطر دويٌّ هائلٌ في الفراغ بين القطرة والأخرى,  بهذه التكوينات التصويرية إحالات تدأب الشاعرة في سبكها معتمدة دوما على ردة فعل تأتي من هذا المطر غير المعتاد..
المطر عند العرب هبة الله لأرضهم الجافة؟ لذا ظلّ رمزا للنماء والخصب والحياة, أما عند الشاعرة الطفلة التي تخاف ظواهر الطبيعة, فإن المطر يبدو اعتياديا ومخيفا ودليلا للفقد:
( فالمطر بالغ الكثافة كهذه السماء المتساقطة دون ملائكة).
إنه علامة انصراف الناس من التجمهر في المدينة, وهو علامة الفراق في لغة الرومانتكيين.
- أعلم أيضا أنها ليستْ منديلا
لكنني بين غيمةٍ وأخرى أحاولُ
أن أكفكف بحنانٍ رطبٍ في لمستها
دموع مدينةٍ مأساتها المطر.        ص:13.
وهكذا دواليك يستمر الإنشاد, ويتمرغ مفهوم المطر عبر معاني السلب الذي يُطيح بأحلام الشِّعر, وقد أثارني هذا الانحناء بالفكرة صوب هذه الرؤية, وهذا المشهد المأزوم عند الشاعرة, والذي يعد مصدر إلهام ومنبع شعر.. المدينة والمطر لعمري مادة الشِّعر والحياة, لكن سوزان الشاعرة تحمله مأساة المدينة ولا ترى غيره عند هجرة الجميع ليبقى علامة شاهدة على الحبور..
وتضيفه أيضا
إلى علامة سلب أخرى في نهاية نشيدها:
- الرسائل لم تصل
والمطر يمحو ملامحنا.         ص:43.
وللشاعر خياراته الفنية وأحلامه الخاصّة, ودوري ليس نقاش هل المطر مأساة حقا, لكنني أبيّن أهداف الشاعرة الفنية وانفعالاته عبر رصد عابر وكفى..
المطر الذي انتخبته أحلام الكثير من الشعراء والفنانين والحالمين ترفضه الشاعرة سوزان عليوان في كلامها المكركب, والمكهرب بتيارات الفقد والهجير والحسرة على مدينة عبثا أحبتها.
في(كراكيب الكلام) الكتابة الشِّعرية تتشكل وفق نفسين, نفسٌ طويلٌ من خلاله ينشغل النص بالتفاصيل والحكي, ويكون الكلام مكركبا حقا, ونفسٌ ثانٍ قصير ومكثف ومنشغل بالتأمل على نمط قصائد الهايكو أو حكم المتأملين الكبار, وفي هذه المجتزءات يبدو الفعل الشِّعري نوعا من الالتقاط الذكي, ومن ذلك مثلا يمكن رصد المنتخبات التالية:
- الشجرة
تدرك
العمق الحقيقيَّ
لجرح وجودها.     ص:18.
 
- الآخرون دائما
بأحذيتهم الموحلة على صفحة روحي.     ص:24.
 
- حتما, ما كانت أحلامي لتفضي إلى هنا. ص:25.
 
- أطللتُ بظلّي ثمّ رأسي
ثمّ اندفعت بكل كلماتي.  ص:27.
 
- النسمة واحدة
وتطير صفحة وجهنا.     ص:28.
 
-   هل يعقل
أن يكون للوردة ثوبٌ واحدٌ فقط
فيما للريح
كل هذه القمصان؟        ص:35.
 
- ماذا أُسمّي الفراغ الذي
بين شاهد قبري
وشهادة ميلادي؟         ص:37.
 
- يدي على ضفة
وظلها على الأخرى
والنهرُ بيننا يرتجف في جريانه
لمسةً لن تكون.   ص:41.
 
اللغة الشعرية عند سوزان عليوان ترتفع عن الصراخ إلى الإشارة للحزن, وتقصر عن الغنائية لتتوافق مع أهدف قصيدة النثر التي نحلم بإثرائها وإثراء مخيلة مازالت طموحة وقادرة للانفعال بها ومعها, وتشتد ضرامة ضد المطر الخؤون, المطر الذي اعتدناه يقول الحياة, بينما هو عند هذا الفكر الشعري نوع من السُمّ السماوي الذي يخبر دائما عن ربٍ فشل دائما.
وسوزان كشاعرة عربية تقدم موجزها عن الحياة والفن عبر كراريسها الشعرية بلغة أنثوية مشتهاة إلى ما ذهب إليه رامبو:
(الحياة حانقة
والغضب في الدم
أنا الذي يتألّم
والذي ثار).
-------------------------------------------------
* كراكيب الكلام: سوزان عليوان- ط1: ربيع 2006-بيروت.