الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
شاعر غير ضروري
 
شعريا, ظلّ عاشور الطويبي يحظى عندي بقراءة مؤجلة, قراءةٌ كنت أدخرها لمواسم مرصصّة بترف انسجام, إذ كل انطباع عنه أنه شاعر غير ضروري يمكن قراءته في لحظات الترف الفكري, وكنت أستأنس به في وحدتي عندما تأتي فؤوس الأيدلوجيين على قصيدة النثر كجوهر أو جرّاء المتشعرنين بها تعثرا, لذا ظلت قراءة عاشور مؤجلة, وقد أجلتُ معها قراءة ما كتبتْ, هل قلت ما أود قوله بوضوح أكثر من الضروري..؟
عاشور الطويبي شاعر لغته بسيطة مثل الموت, وأسطره الشعرية عابثة مثل أغنية راي, وتأمله مثل كنز أفريقي, لابد إذا أردته أن تزيل عنه الغبار, وأنا قد أزلت عنه الغبار أو بدأت في هذا منذ إلتقيته على أرصفة الكتابة, وراح يحكي لي عن المركب السكران لرامبو, وكان هذا المركب يتصدّر عروش فيوضي, وعندما حدّثني عن الاشراقات قفز رامبو شخصيا أمامي من صورته المعلقة في جدار حجرتي وأزاح بقيّة الغبار والأحزان.
في (نهر الموسيقى) يتقرر الشعر من منجم النثر شبه النقي, إذ لا رنين للكلمات الشعرية, ولا صور تقوم بأي دور, إن الشعر هنا يقف وحده يواجه قدره مع متلقٍ ذاكرته تتملؤها أجراس اللغة وحمحمة الكلمات..
نهر الموسيقى, نهر شعر, تحترب فيه أسماك الانتهاك الجسدي للأذن, والانحراك بعيدا عن استوقاد الشعر واستوثاقه من أزمنة الشعر, إن الشعر هنا يشرع في صياغة زمنه, وهو ذا غائية تتوسل السباحة في بحور الذهن, وليس في بحور الذاكرة الثقافية للشعر, هل قلت شيئا عن نهر الموسيقى للشاعر الطويبي ؟!.
في نص (مدينة) لا تعرف هل هو شعر أم لا, لا تعرف شيئا بالأساس, لذا ظلت موسيقى النثر عائمة على بحر الشعر الأصيل بالريب فيها ومنها, الريب بوصفه علامة سؤال, في النصوص الأخرى كما في نص (مدينة) لا يمكن بروز نص على حساب أخر, فالشعرية هنا لا تتأسس وفق فلتات فطرية تحتمي بموهبة الكاتب.
فشعره لا علاقة له بالموهبة, علاقته بالتأمل داخل التجربة الشعرية وخارجها, وإن طغى الخارج على الداخل, فقد جرى أن تأسست تجربة من لدن شاعر له مباصرة المحيط, ونسجه شعريا..
كل سطرٍ شعري ينوجد من مفهمة ما..
مفهمة تخلّقت من درس الشاعر لمعارف الأرض التطبيقية والإنسانية, كل سطرٍ شعري يلجأ لهذا المبدأ العنيف.
في تجربة الشاعر عاشور الطويبي ينتصب نداء ميشيل فوكو (اتركونا أحرارا عندما يتعلق الأمر بالكتابة), حرية عاشور تكمن في رصد مشاهد الطبيعة من جبال وطحالب وهضاب وأنهار وأسماك وبحيرات ورياح وأمطار ومياه ضحلة وعناكب ونجوم ودواب, وكل شيء من هذه يمكن أن يلقي بنفسه على الشعر إلى رصد شعورات وانشحانات نفسية لعازفين وراقصين ونخاسين وغيرهم, إنني ومن هذه الزاوية يهاتفني رفايل أرغلول برؤيته في أن الشعر بالقياس إلى الشفوي لا يفعل شيئا أخر سوى محاولة إعادة إنتاج ما ليس قابلا بالأساس لإعادة الإنتاج, لأنه ينتمي إلى الحياة السرية لكل واحد من البشر..ولعليّ أستطيع القول يقينا أن الشعر هو التاريخ السريّ للأشياء.
إن نهر الطويبي الموسيقي يحيل إلى درس تعريف الشعر مجددا, بل معنى الشعر أيضا, إن الكتابة التي تحمل الشّك في شرعنتها علامة شعره.
في كل سطرٍ شعري كنت أرى مثل هذا أو هذا, وكنت استحث الذاكرة لنجدتي بمعجم تعريفات الشعر, وكان كل سطرٍ يبتكر تعريفه لوحده, دون أن يُغفل ترك الشّك فيه..
نهر الموسيقى مجموع نصوصي يقترب من الشعر حين يتخلّص من لوازمه القديمة, اقترابٌ صميم, اقترابٌ تقرره مقروئية تأتي عارضة في لحظة غير ضرورية, مفتشةً - حسب أدرنو- عن أمل المثقف في امتلاكه تأثيرا على العالم, بل إنه يوما ما, في مكان ما يجد من سوف يقرأ ما كتب تماما كما كتبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عاشور الطويبي. نهر الموسيقى, منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي-ط1: 2004