الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
قراءة في راوٍ وروايــــة
(نافذة على المطل الخلفي لمحمد علي سالم عجينة)
 
نبذة عن الرواية:
تقع في "227" صفحة. من الحجم المتوسط وحجم الخط صغير الطبعة الأولى 1973 - وزارة الثقافة والإعلام - وحدة التأليف والترجمة والنشر ضمن سلسلة كتاب الشهر - العدد الحادي عشر. مطابع الثورة العربية.
إحاطة اجتماعية - الراوي
وبين النخلات العاليات ذات الرطب الأشهى تمتد أحزمة الشمس بين السعف الأخضر من أرضٍ عذّبها الشوق والعِرق المغربيِ النزق والنبيذ واثنتي عشرة كلمة أخرى للضوء والظلام.. وعبر الغروب تنوء النخلات بعبء الذاكرة وتنحنى طواعية لنشيد الحق المنبعث من مقام الأولياء والمرابطين من أحمد بلقائد عجينة وعبد الرحمن أبو السباع وسيدي منصور وأحمد فريقعات وسويسي وأحمد الفاسي.. تنشرح النفس الزكية وتنكمش عبر ظلمات الليالي أنفسا نزقة لحياة أخرى،.. ذلك كان يحدث أو يحدث وعبر كل هذا تبدو الشمس هي الشمس والرطبة هي الغذاء والزيت هو الشفاء ويبقي النزق أيضا ذاكرة شعبية لا تمل.. سنوات عجاف أو قيظ.. رحلة مشرقية أو موت
سنوات غيث أو بحر
وللمبتدأ كلمات قد تنسى لكن لعطرها أثر. هدوء أو هدوء،.. ريف ممتد وقرى متاخمة حوارها ماء أو محتد
والحياة تمضي عابرة مسارها معبرة عنه.
وبعد..
1948..
ولد ليكون شابا، يكتب سفره ويمضي، يمتلك جزءا مهما من خامة الإبداع الفطري وكاد يحرر أسئلته بنضج أعمق ويعبر بصفاء عن هبة الإله لديه.. لكن للموت كلمة سبقت وإن كانت عند المبتدأ وإن كانت في لحظة انطلاق ونشوة وإن كانت عند شاطئٍ "دنيزكيت" المزدحم بالجمال والحياة بتركيا وإن كان... للموت كلمته عند منتصف يوم 28-9-1968.
محمد على سالم عجينة
ابن فلاح عهدت قريته مواقفه وعهدت كذلك ذاكرتها سجلا عن أبناءه الحاج "المقطوف". رحمه الله - و"الصغير" و"العربي" والحاج" يوسف" والشيخ "الهادي" - رحمه الله.
وكاتبنا
تتلمذ في البدء بمدرسة الزاوية الابتدائية ثم بمدرسة الزاوية الثانوية وكان طالبا متميزا متفوقا في دراسته وصاحب حضور ملموس وكان كثيرا ما يكون مولعا بالقضايا ذات الشأن الثقافي إلى الحد الذي بلغ به أن يعتد بنفسه..هذا ما يؤكده جل رفاقه ومعارفه.
1966.
ينتقل إلى الجامعة الليبية ببنغازي لدراسة الآداب وكانت إقامته هناك عند أسرة زاويّة من ذات القرية التي ينتمي إليها، كانت قد هاجرت لظروف الحياة وتقلباتها. وكان تفوقه بالجامعة ملحوظا سواء من خلال رواية أصدقاءه أو من الوثائق التي بين أيدينا..
والجامعة حلم الشباب الستيني أو كما يقول الراوي " غدا تفتح الجامعة أبوابها، تستقبل العام الجديد.. - هذا ما يقوله الإعلان في الجريدة، يقرأه أحمد، فلا يصدق عينيه، فيرفع الصفحة إلى مستوى أقرب من نظره ليدقق في حروف الكلمات التي تداخلت في بعضها بشكل يصعب معه تمييزها...الخ..."1
عند 1967
يخط نصه الذي يصدِّرُه بهذا الإهداء:
" إليكم.
يا من تسيرون في طريق المستقبل والنصر والصمود.
إلى أولئك الذين يعيشون للغد، ويتعشمون المستقبل أملا.
إلى الذين تجرعوا المرارة والحرمان، وعاشوا شظف العيش، وضنك الحرمان.
إلى من أدمت الأشواك أقدامهم ولفحت جلودهم الشمس المحرقة وانحف البؤس والشقاء أجسادهم.
إلى الذين عاشوا بصبر، وجالدوا بإيمان، وكافحوا بعزيمة، وكتبوا بثقة وطمحوا بإخلاص. إلى هؤلاء الذين يرنون لحياة العزة والكرامة، وهدفهم أسمى الغايات ويمتطون أشرف الوسائل من أجل الغد، من أجل المستقبل، من أجل الحياة.
إلى الذين خاضوا معركة الصراع والكفاح مع الحياة.
إلى البراعم التي ستزهر قريبا، والأمل الذي سيصبح حقيقة.
إلى أولئك الذين عاهدوا الله وأنفسهم ألا يحيدوا عن الدرب، ولم يجرفهم تيار الانحراف.
إلى الذين أشعر بوجودهم، وأحس يقينا بهم رغم أني لا أراهم.."
إلى كل أولئك، وإلى كل هؤلاء أهدي قصة هذا الكتاب..".2 والإهداء نفسه - نص - يكشف عن كثير مما يجول في خاطره ويبرق في باله وهذا يمكن استيعابه بوضوح أكثر من خلال النص الكامل للرواية وفي أجزاء متفرقة يتلبس بطل الرواية "أحمد" ذات الراوي أو هكذا يبدو على أقل تقدير.. وبهذا العمل المبدئي يتقدم ليخوض غمار تظاهرة الجامعة الأدبية فيفوز بجائزتها وبدراسته أيضا يفعل.،. ليختار ضمن وفد الجامعة من المتفوقين وأصحاب الهوايات الخاصة خلال صائفة 1968 والمتجه إلى الأراضي التركية وبإشراف الدكتور الهادي مصطفى أبولقمة...
وأثناء هذه الرحلة والتي تتبعها الدكتور رجب أبودبوس عبر مقالته3 أو تقريره إثر عودته والذي كان أيضا من ضمن الطلبة المتفوقين راصدا باليوم أحداثها والتي ضمنها فيها بعد كتابه "أدبيات" أنه - أي "محمد" - في الخامس من أغسطس أصيب بشلل وكسر بالغ في عموده الفقري إثر قفزهِ من ارتفاع عالٍ إلى مستوى منخفض من ماء البحر.
كان يهدف إلى التفنن في السباحة - كعادته - ولعله غرور الشباب أو لعله.... لكنه حتما القدر وبعد أكثر من عشرين يوم بمستشفى أزمير الذي نقل إليه وبعد إبلاغ أخيه" يوسف" وحضوره يشاركه آخر لحظات حياته المليئة بالوجع حتى يوم 28/9/1968 تغادره هو الحياة ويغادر هو تركيا إلى أرض الوطن.. إلى قريته ومن بعد إلى مقبرة أحمد الفاسي المحطة النهائية التي يشترك فيها جميع أبناء قريته.
" 2"- النـص.
توطئـة:
ثمة ثلاثة نقاط أساسية أود ذكرها قبل الخوض في نقاش رواية " نافذة على المطل الخلفي " لكاتبها محمد على سالم عجينة.
الأولى: أن العمل كتب عند منتصف الستينات وقيمته تنحاز أكثر كقيمة تأسيسية لفن الرواية في ليبيا ومن ثم الخوض في قيمته الفنية وهذا يقودنا إلى محاولة خوض النقاش بأدوات تتلاءم والفترة التي صاغت هذا النص.
الثانية: كون الراوي شاب جامعي يدرس الحقوق بالجامعة الليبية وهذه نقطة إيجابية تحسب له ولا تخص النص.
الثالثة: إن هذه الرواية طبعتها وزارة الثقافة الليبية ضمن سلسلة كتاب الشهر حاملة العدد الحادي عشر سنة 1973، أي بعد وفاة كاتبه بخمس سنين على أقل تقدير ولربما كان له رأي في نشرها على اعتبار أنها بقت في سراديب الجامعة الليبية بعد فوزها بمسابقة أدبية خلال العام 1968.
لعل هذا النص الروائي بما يحمله من مأخذ يكون نفسا دوّن مأخذ الحياة ذاتها أثناء فترة التأسيس لمجتمع ليبيا. ولعله أيضا لم تحن الفرصة بعد لصياغة مشروع روائي ليبي.. ذلك كون هذه البلاد لم تتعقد بها الحياة بالقدر الكافي لصياغة هموم معاصرة، إضافة كون ليبيا بلد لا تعايشه الأزمات والمختنقات الحادة سواء من تصالح المظاهر الطبيعية مع الحياة - أي عدم وجود كوارث طبيعية حقيقية، تهدد الحياة بشكل مستمر أو حتى المشاكل ذات الإرباك الاجتماعي - الديني.. من التعددية العرقية أو الدينية أو الطائفية... الخ والتي تخلق أدبياتها في المجتمعات الأخرى وبما تشكله من حوار الأضداد داخل البنية الواحدة وما يتيحه هذا الاختلاف في أحيان كثيرة من شواهد محفزة للحياة وإن كان ظاهرها سلبي...
ليبيا - بلد الأسرة الواحدة والهم الواحد وهذا القول ليس انتحالا أو تزويقا أو رجاء وإنما هو الحقيقة ذاتها. والراوي في ليبيا ألزمته ظروفه الفكرية أما إلى اللجوء إلى تراث الصحراء القديم أو إلى مدن العالم الآخر ليكتب سفر روايته. أما المجتمع في ليبيا فقد وجد في السرد القصصي القصير برنامجا انسب للمعالجة الاجتماعية التي يحتاجها. كان هذا يحدث والنص الشعري يتمتع بكامل نياشينه وهيبته وللشعر في ليبيا مكانة أولى لم ينازعه في ذلك فن آخر وإن كان... فالشعر في ليبيا العرق الأصيل للفن...!
وهذا حتما ناجم عن البيئة الليبية التي أمدت مواطنها بالصحراء هذا المواطن الذي طالما كان عازفا عن المدنيّة الحقة وهذه الظروف شكلت الطقس الأنسب لكائنات الشعر!!
التقابل - أسلوب ركيزي
النص، ومنذ بدايته بني على فكرة التقابل - ثنائية الحدث، أو الموضوعة. فمثلا:
ابتدأ السرد بعلامات الفرح التي رافقت ولادة "أحمد " وتقبل أسرته للتهاني بـ "مبروك، مبروك" وقاد هذه العملية جمع من النسوة العارفات بأحوال الولادة في القرية، بينما انتهى السرد بموت - " أحمد " محاصر بين جدران النزل الصحي للأحوال النفسية وقاد هذه العملية طبيب وممرض وحارس النزل.
ويمكن رصد التقابل أيضا في مشهدية أكثر جلاء في مقارنة طويلة بين حياة الريف -القرية والمدينة - الجامعة، وهنا يكمن الجزء الأكبر من المعالجة الفكرية المحتواة في النص والتي حاول الراوي بعثها وهي قضية شبه أيدلوجية ألقت بظلالها أيما إلقاء خلال حقبة الستينات والسبعينات في الأدب الليبي بل وفي الأدب العربي برمته تزامنا مع المد الحضري وهجرة القرويين إلى المدينة.
كذلك يمكن رصد هذا التقابل في البناء من خلال النافذة ذاتها. فالنافذة حضرت عند الولادة، عندما كان الحاج " عمر أحمد " يسترق من خلالها لدردشات النسوة حول تسمية الوليد - أحمد - وبعضا من التهاني، أي - استخدمت رمزا للتصالح مع مفهوم الحياة، بينما حضرت - هذه النافذة - عند وفاة البطل - بل وكانت المسبب الأساسي في مقتله مضرجا بدمائه بعد انكسار زجاجها في جسده عندما حاول "أحمد " اختراقها في محاولة بائسة للفرار من سجنيته وقد كلفه هذا القرار جروحا عميقة ونازفة على إثرها نقل إلى المستوصف المركزي بالمدينة ولكن دون جدوى لان ليس للحياة من نقيض يقابلها سوى الموت وحده.
أسماء الشخوص:
ولأن النص انطلق من القرية كان لزاما على الراوي أن يشحذ على ما يتصل بهذه البيئة من أشياء تخصها مباشرة وعبّر عن ذلك مثلا من خلال الأسماء المستخدمة فالبطل القروي اسمه " أحمد " أما أبوه فهو الحاج" عمر أحمد " ومن هنا يتضح جليا طبيعة الأسماء بل ويكشف عن عادة قروية متبعة وهي تسمية الحفيد على اسم جده... أما معلم القرية فقد اختار له اسم " عبد الحميد " وهذا الاسم يشيع في البيئة ذات الصلة بالتراث الصوفي العابق بالتقاليد والأعراف... بينما نجده فور انتقاله إلى المحيط الآخر - المدينة - يكون صديقه الأول وصاحب الحوار المتواصل معه اسمه " رجاء " واسم " رجاء " في البيئة الليبية لا يتبناه الريف إطلاقا ذلك كون الأسماء المزدوجة التي يمكن إطلاقها على الذكور والإناث على حد السواء ينفر منها القرويون ولا يطلقونها أبدا على أسماء أبنائهم من الذكور وعندما استخدم الراوي هذا يعي تماما هذه الفكرة بالتالي جاءت كتوظيف يهيئ القارئ منذ الوهلة الأولى أن يستقبل " رجاء " - ابن المدينة - مشايعا لمفاهيم المدنيّة وثقافاتها وغير مبالٍ بخرّا ف القرويين وسذاجاتهم.
رصد بعض الملامح الاجتماعية ونقدها:
كثيرا ممن ناصروا الرواية العربية وشهدوا عن كثب ميلادها قادهم حماسهم لإعلان هذا الفن هو ديوان العرب الحديث. وفي ذات الوقت لابد من الاعتراف رغم كل ما يبذله المؤرخ في حقل الدراسات الأدبية من جهود تجذيرية لفن القصة وربطها بالوجدان العربي منذ بداياته - قلت - لابد من الاعتراف بأن الشعر هو وجدان العربي وملكته للتعبير والرصد.. لذا قالت العرب أنه الديوان.. أما هؤلاء فقد استشعروا عكس هذه الرواية وحادوا عن الرؤية القديمة ورأوا في فن الرواية الملاذ الأصلح كديوان... ومن هنا لم ينته الحوار بل ابتدأ وللتاريخ كلمته عندما يحتد الجدل وللمسألة أكثر من إجابة في أحيان كثيرة - لكن - الذوق هو الذي يدفع الناس إلى طوائف وشيع فيما يعتقدون.
وفي معرض حديثنا نرصد في هذا النص بعضا من ملامح الحياة الاجتماعية ونقدها والتي قد يأتي يومُ ما لا نجد أحدا يأتي عن ذكرها إلا ما قد دونه الراوي الليبي من سير وعادات. ولو اطلعنا على كتب تاريخ ليبيا وتراثها فقط لقرن أو قرنين لما وجدنا أشياء بمثابة الطرف وأحداثا قد تدعو إلى العجب!
وفي نص " نافذة على المطل الخلفي " نرصد على سبيل المثال لا الحصر بعضا من هذه الملامح:
أ - صورة المرأة:
" وكان أحمد يرى تلك الحقائق في نفسه، في أسرته، في قريته، في مجتمعه فتبعث في نفسه الشعور بالمرارة والألم ويعقد العزم على أنها لابد أن تعدل، أن تتطور، أن تتغير أو أن تزول غدا يجب أن تختفي صورة الفتاة القابعة بين جدران أربعة، تزخر بجهلها وتتخبط في أميتها وتتكلم بهمس وترضى أن تساق كحيوان إلى مصير تجهله يتأرجح بين العذاب والألم وعدم التفاهم وسوء الفهم وتستسلم بين أحضان زوج لا تعرفه ولم تسمع به أو ربما سمعت عنه، لا لشيء بل لأنه هكذا أراد أبوها آو أنه أعطى كلمة شرف ورجولته تأبى أن يرجع في كلامه ما دام الوفاء بوعده لا يكلف ثمنا إلا مصير ابنته وبيتها وزوجها وطباعه وظروفه ومشاكله ودون أن يكون لها أدنى رأي أو مشورة بل عليها أن ترضى بما ارتضاه والدها لترضيه وتجعلها التقاليد عديمة التربية والأخلاق إذا أعلنت رأيها أو عبرت بحرية عن إرادتها تحمل إلى بيت الزوجية ولا تعرف مصيرها: مظلم محزن، مؤلم وحياتها جحيم وشقاء، تعب أو أن مصيرها وحياتها يحويان كل هذه الصفات مجتمعة فحتى أصبحت المرأة سلعة الكلام تباع بالكلمات وتشترى بالكلمات ويدفع ثمنها بالكلمات!!! ولابد أن تختفي صورة الورقة المكتوبة التي تدور بين رجالات القرية كلهم، تبحث عمن يستطيع أن يفك رموزها المكتوبة ويقرأها باللغة المكتوبة بها والتي يتكلمها الجميع وحالت الأمية بينهم وبين تعلم كتابتها واقسم الجهل على ألا يترك أحدا إلا ويأخذ منه نصيبه وأصر الجميع على أن يحوزوا نصيبهم منهم، بل بأكبر قدر ممكن وبأوفى ما يجود به الجهل ذاته حتى أضحى الجهل سلعة نادرة ليتهافت الجميع عليه واستحواذهم على الموجود منه فأضحى نادرا وشحيحا!! ولا وجود لحقيقة. الأطفال الذين يولدون مشوهين، يسودهم الكساح ويصيبهم الشلل ويقعون عرضة للأمراض المنتشرة وفريسة لسوء التغذية بل ونقصها أحيانا، فينشأ البعض معلولا ينقصه النمو الطبيعي ويموت المعظم الباقي ولم يزل في المهد رضيعا وكم من أم ماتت لحظات وضعها أو بعدها بصعوبة الولادة أو لما يتبعها من نزيف يودي بحياتها إلى نهاية محتومة قاسية بشعة، لإيمان الجميع بان كشف الطبيب عن المرأة وخاصة ساعة وضعها يعد من مظاهر الكفر والانحلال وأن الأعمار بيد الله يحيي من يشاء ويميت من يشاء وكأن إرادتهم انصرفت إلى موت الجميع!! لابد أن تتعلم الفتاة، أن تخرج غلى معترك الحياة لتشارك الرجل، لتفهمه، ليراها، لتراه، لابد أن يتعلم الجميع، لابد أن تنجب الأمهات تحت عناية الطبيب ورعايته وعشرات الصور للحقائق الدامغة لابد،  لابد وألف لابد ".4
وجاء على لسان رجاء صورة زينب كالآتي: وصوت رجاء يقترب من صوت العقل كما أراد الراوي:-
" زينب بنت الجيران هناك.. وعجبك فيها إيه، بنت جاهلة، متأخرة لا تعرف تقرأ ولا تكتب ولا حتى تأكل أو تنام "5
أو " وارتسمت على وجهه ملامح السرور والابتهاج على اثر دخول أخته حاملة ابنها الرضيع على صدرها بإحدى يديها بينما أمسكت باليد الأخرى.. " علاقة" كبيرة وبصوت عالي ومسموع قالت لأخيها "مبروك عليك يا حاج هذا الولد اللي بتستناه" وأعدلت الصغير ثم أردفت"الله يطول عمرك وعمره ويزيدك من أمثاله "وضحك الحاج ضحكة عالية وهم بالرد ولكنها وضعت السلة أمامه وقالت طالبة الإسراع في تنفيذ ما ستقوله " اللزوم يا حاج زي العادة بسرعة " ورأت الوقت أن قد حان لتطلب من أخيها الوفاء بعهد كان قد قطعه على نفسه في أيام الحمل وشهور الانتظار والتكهنات وواصلت كلامها بعد أن سحبت طرف الرداء الذي وقع وأثبتته على رأسها.. الزردة.. الولد جاء والباقي عليك " وشعر الحاج بأنه حقا عليه بأن يفي بوعد قد التزم به وآلى على نفسه أن يقوم به إذا كان المولود ذكرا وأراد أن يثبت لأخته المتلهفة ذلك فهمهم قائلا: " كل شيء ساهل غير يعيش بس " وعندما وقف الحاج وأخذ " العلاقة " وهم بالخروج ممتزجا بضحكة أجاب موافقا " حاضر.. حاضر ".
أو " ورغم حبه الجارف أو إعجابه الشديد ببنت الجيران، فهو لا يستطيع أن يجهر للناس بذلك ولا يقوى على أن يقول لهم أنه يحبها، أنه يريدها، أنه يتمنى الزواج منها أو أن يعلن لها بحبه أو يفصح إرادته بكونها شريكة حياة ورفيقة عمر أو يوجه كلامه إليها بصوت مسموع، ترد عليه ويسمع صوتها بوضوح وعن قرب - وكلما فكر في ذلك شعر بآلاف القيود تكبله وعشرات الأيدي تمتد إلى فمه لتقتل كلمات الكفر قبل أن يبوح لها والجميع يرمونه بالانحلال والنذالة والجبن والأنظار الحاقدة الساخطة تنطلق من العيون الحمراء متطايرة كالشرر وكلمات الناس تصعق مسمعه "...6
ب - عادات أخرى شائعة:
نرصد الآتي " وكان الشيخ مختار من اقرب الأصدقاء إلى الحاج عمر يسهر معه بقصد الدردشة والحديث وذلك بعد صلاة العشاء حتى أصبح ذلك عادة، يذهبون إلى البيت، يتبادلون الحكايات ويتجاذبون أطراف الحديث، ماضيه ومستقبله حتى تنتهي أدوار الشاي الثلاثة عندها يغادر الشيخ البيت على أمل لقاء الغد..
أو" ويتربع جامع القرية العتيق في نهاية الشارع بقبتيه المستديرتين على شكل دائرة تعوزه الدقة والهندسة الفنية وقد انفرد بذلك الموقع لأنه كما سمع "أحمد" من حكايات أهل قريته وخرافاتهم، بان الشيخ " صالح " كان قد حدد له ذلك المكان عندما شيده منذ زمن بعيد، بعد أن رأى في منامه أن يؤذن للصلاة من على شجرة النخيل الباسقة فاقتلع تلك النخلة وبنى جامعه في منبتها وقد عزم الشيخ الجليل على بناء صومعة لجامعه قياسا على آذانه من فوق النخلة ولكنه توفي قبل أن يتمكن من إتمام بنائه، فبقى الجامع بدون صومعة حتى يومنا هذا ودفن الشيخ بمسجده ومن هنا سمي المسجد " جامع سيدي صالح ".7
وغيرها من الصور التي يضج بها النص ونلحظ أيضا ذيوع تضمينات تقترب إلى المقولة ذات الحكمة أو ما شابه ذلك.. كقوله:
" لقد أراد احمد أن يكون كل شيء ولا أحد يمكنه أن يكون كذلك، لأن الكل معناه الكمال والإنسان ناقص بالضرورة والبديهة أن الإنسان يمكنه أن يكون بعض شيء فقط على أكثر التقديرات وأوسعها ورغم أن "أحمد" أراد أن يكون كذلك بصدق وإخلاص وأن مبعث ذلك ليس إلا الشعور بالواجب والثقل على عاتقه وأن إيمانه وشجاعته هما اللذان أمليا عليه هذا الشعور إلا أنه أخطأ في تقديره ودفعت به شجاعته إلى متاهات التهور فعلا ".8
وكذلك:
" ولكن الحياة لا تغفر الأخطاء والطبيعة لا تقبل التحديات والنفس تتمرد عما تحمله وإذا عملت أكثر مما تطيق والمجتمع رغم انه يرى في التهور آخر قمم الشجاعة لكنه يؤمن بأنه قد تجاوز حد الشجاعة وأصبحت شرا لا تحمد عقباه وكان على احمد أن يتوقع ويتقبل رد فعل هذه العوامل المجتمعة نتيجة لتحديه وتهوره فلكل فعل رد فعل وقد كان الرد كذلك ولكنه كان قاسيا وأليما ".9
أو قوله: " عليه أن نتأكد من أن شمعة صغيرة تحترق ببطء وتضئ على الدوام ألف خير من شمس مشرق لحظة لتغيب ساعات".10
" الفشل ظاهرة أساسية رافقت تجارب البشر، بل إنه ضروري جدا كمعيار لتحديد معنى النجاح وتذوق طعم النصر ولذة الانتصار ".11
" إن النور الشديد كالظلام الدامس تنعدم الرؤية في كليهما "12
" إن الحياة تسير، وفي سيرها تبحث عمن يوليها اهتمامه لتحط عليه رحالها، فإذا ما وجدته، فإن تلك الرحال ستثقله حتى يموت وربما لا يموت من ثقل العبء ولكنه في الغالب يعتل نفسه بوهم الثقل وضخامة العبء "13
تطور الأحداث وحركية الشخوص:-
لا شك أن حركية الشخوص وتداخل فاعليتها واختزال بعضها أو تغلغل وظائف البعض الآخر يظل عنصرا فنيا غالب بين العناصر الأخرى لفن الرويّ، وإن الضجيج المتمخض عن هذه الفاعلية في ذاكرة المتلقي يعكس مهارات الراوي في شد متلقيه وتحفيزه أكثر إليه وما نلمسه في هذا النص أسلوب تقريري يقدم الأحداث بتاريخيتها ويقدم الشخوص حسب المراحل - بهدوء - كي يحتفظ البطل بكامل مساحة السرد ودون إحداث انفعالية لدى قارئه. - فبالإمكان ملاحظة أن " أحمد " أثناء فترة تكوينه في القرية استأثر بالسرد وجاءت أدوار الشخوص لتكمل جوانب الحياة التي لابد منها.. كتقديم الحاج "عمر أحمد " وصديقه الشيخ مختار والمعلم عبد الحميد وغيرها
ومن الغريب أن الراوي لا يسجل حوارات دارت بين أحمد وأمه أو والده أو أخته أو غيرهم من أبناء القرية..
وعندما نعرف أن موضوع الرواية يدور حول دراسة مقارنة بين حياة الريف والمدينة نجد حقا أنه لا جدوى من هذه الحوارات، لذا استعاض الراوي عنها بأن شحن بطله "أحمد" بكل ما يستطيع من مثاليات ودون هوادة في ذلك وخلق له مقابله وهو صديقه " رجاء محمود " المكفن بالمدنيةّ ومظاهر الحضارة الأوربية.. وعند هذه اللحظة يبتدأ الحوار لكنه حوار سيستنزف "أحمد" أثناء فترات وهنه وهنا تسقط القرية بمبادئها ومثلها.. وعند تأمل النص بتريث نستطيع أن نلحظ بجلاء أن ثمة اندفاع بل واندفاع حاد في حركية السرد:
فالراوي يشحذ لبطله كل المثاليات وبشكل متصل ومنقطع النظير ثم إزاء أول اختبار وهو زواج" زينب" وحواره مع "رجاء" يسقط مباشرة ويتحول إلى عربيد في الملاهي والحانات يشرب الويسكي والبيرة وينام على صدور المومسات ويطارد النساء في الطرقات..
ثم ما ينفك حتى يأتيه خبر مرض أمه فيرجع إلى القرية وعندها يشحذ قيمة إيمانية جديدة تدفعه إلى مقاطعة "رجاء" فور وصوله إلى المدينة بل ويسخر منه وبعد ذلك تأتيه برقية مفادها وفاة أمه ليصاب مباشرة بفقدان الذاكرة والتي تنتهي به إلى الموت عند محاولته للخروج من نافذة النزل الصحي وهذه الفاعلية العاطفية في تناول الحدث شدتنى كثيرا وهنا ثمة ثلاث ملاحظات يمكن تناولها على النحو التالي:
الملاحظة الأولى: إن الفترة التي عاصرها الراوي فعلا فترة تتسم بشبه انفتاح المجتمع وحملت معها هذا القلق ومع هذا القلق ولدت عشرات قصص الحب الفاشلة أو حتى الناجحة.. والتي يمكن التماس أثرها في أشخاص عزفوا عن الزواج أو حتى الحياة نتيجة إخفاقات من مثل هذا النوع وغيرها من الظواهر التي ليس هنا مجالا للتطرق إليها...
الملاحظة الثانية: فلأن الراوي هو شاب في مقتبل العمر ومهما كان رصيده الثقافي والحياتي لا يستطيع أن ينفصم عن أثر هيجان واندفاع الشباب والذي طالما عانق الطامحين والحالمين الشباب وهنا من غير المعقول أن نجد الراوي يلتجئ إلى حكمة الشيوخ أو أصحاب التجارب في تقديم أطروحته.
وأما الثالثة.. ثمة إدانة يريد تقديمها الراوي للقرية وذلك حين اختزلها في شخص أحمد بكامل حيازته المثالية وعندما امتحنه المرة الأولى حاد عنها وحين امتحنه ثانية بعد إعادة شحنه فقد ذاكرته ومات.. وهذه الإدانة نجد لها مقدمات عند سرده لحياة الريف وكيف ظل يجامل أهلها وفي نفسه ثورة ودلل على ذلك بقصص إنجاب النساء في البيوت دون الكشف عند الطبيب في المراكز الصحية.. وغيرها.
وكما أسلفت أن الشخوص كلها جاءت شبة ثانوية ومحدودة الأدوار إلا إذا استثنينا " رجاء " بالإضافة - طبعا - لأحمد.. وقد ضمّن الراوي تحديدا تسعة وعشرين شخصية وهي على النحو التالي:
البطل أحمد عمر أحمد - الحاج عمر أحمد - الأم - أخوات أحمد المتزوجات وهن ثلاثة ومن بينهن سالمة- الطفلين اللذان أنجبتهما أم أحمد وماتا - أخ أحمد وأخته اللذان يصغرانه - القابلة " الحاجة ونيسة " - الحاجة صالحة. الحاجة أمنة - عمة أحمد وطفله - الشيخ مختار - المعلم عبد الحميد - رجاء محمود - الشيخ صالح- أصدقاؤه الذين يشاركونه السكن في المدينة "مصطفى - حسن - صادق"، عشيقته زينب - حسن " أخ زينب " - العم حسين صاحب الهاتف - العم رجب حارس النزل الصحي - الممرض - الطبيب.
وإذا استعرضنا نماذج من الأدوار المنوطة إلى هذه الشخصيات للتدليل فقط
الأم: تكلمت لمرة واحدة حين قالت للحاج " ارفع الولد سجله في المدرسة " وتتولي حوارا مع الحاج حول تدريس أحمد في المدرسة حينما رأى الحاج الاكتفاء بتدريسه بالجامع وانتهى دورها لما توصلت مع الحاج إلى تدريسه صباحا بالجامع ومساء في المدرسة في محاولة توفيقية بين الرأيين المتناقضين.
وبعد ذلك اكتفى الراوي بذكر صورتها ومعاناتها من خلال ذاكرة أحمد أو من خلال خبر عن مرضها الذي جعل أحمد يعود إلى القرية للاطمئنان عليها أو حينما وصلته البرقية العاجلة التي تحمل خبر وفاتها والذي جعله بفقد ذاكرته.
أما شخصية الحاج "عمر" أحمد فقد تناوله الراوي بسرد وجاهته واليه ينتهي الحانوت الوحيد بالقرية ووصفا إنشائيا عن معاناته وحوارات مجتزئة مع الشيخ مختار - شيخ الجامع - أو مع المعلم عبد الحميد..
وعند انتقال أحمد إلى المدينة يتحول الحاج إلى شيخ طاعن في السن ويهمل..
أما أخته سالمة فقد برزت من خلال حدثين هامشين جدا فقط:
الأول حين كان يناديها الحاج أثناء زيارة النسوة للتهنئة بمقدم الوليد "أحمد" للاستفسار أو حين فتحت الباب للحاجة صالحة تلي تقديم الوليد لوالده وللشيخ مختار..
أما عمته - والتي لم يذكر اسمها - فقط اكتفت بمشاركة بارقة تمثلت في المساهمة في تسمية الوليد. أوفي طلب النذر الذي وعد به الحاج.
وهكذا دواليك تتابعت الشخوص في تأدية أدوارها الثانوية..
ولعلنا نلحظ أن أصدقاء أحمد والذين يشاركونه السكن بالمدينة وهم من الريف " صادق - حسن - مصطفي ". لم يكن لهم دور أثناء فترة تسكَع أحمد وخروجه عن طباعة الأصلية واكتفى الراوي بقول " أما موقف أصدقاؤه فقد حاولوا الابتعاد عنه بقدر الإمكان لمكانته السابقة في نفوسهم ولعلو قدره بينهم وانه أدرى بمصالحه "
ثم يأتي الراوي ويعطيهم دورا في تسليمه البرقية التي تحمل خبر وفاة والدته ومحاولة الالتفاف عليه حين نزل المستشفى..
إذن - نستطيع بما لا يدعو للشك أن نستنتج أن الحوار الأساسي والذي يبدو يحمل قدرا من التشويق هو الذي ظل متواصلا بين أحمد ورجاء.
أما الأماكن فقد جاءت كالتالي:
المكـان الأول: القرية- ابتدأت منها الحكاية - وفي القرية الجامع الذي يمثل القيم الخلقية وبها المدرسة والتي تحمل نقطة حلم الفتي القروي إن استعصم بها وبين هذين حانوت "الحاج عمر" الذي يمثل مركزا لتصريف شؤون الحياة المادية والذي خلع عليه وجاهة اجتماعية والتي انعكست بدورها على أحمد من خلال نظرة الناس إليه.
المكـان الثاني: المدينة وبها الجامعة.. - والتي كانت الحلم - وظهرت بعد ذلك بصورة تحمل تباينا بعض الشيء
وبالمدينة محلات وحارات ضيقة ودور السينما وبيت رجاء الفاره بالطراز الأوربي وبها أيضا دور الدعارة والملاهي والحانات.
اللغــة:
يبدو جليا أن الراوي لجأ للأسلوب الإنشائي في تقديم أفكاره رغم معجمه الأدبي الواسع من الجمل الجيدة البناء - إلا إن التقريرية تدخل مللا للقارئ وتجعله في حل من إكمال العمل ولو لجأ الراوي لاختصار سرده واكتفاءه بالأحداث الرئيسة لكان أسلم له من الخوض في مقامات التتابع السردي.
اكتنــاه:
هذه ملاحظة أردت أن اختتم بها وهي أنه لطالما وجدت بطل الرواية أحمد مرادفا للراوي في كونه ابن القرية والتي منحته وجاهة اجتماعية مستمدة من أبيه وفي تفوقه وطموحه الكبيرين.. وفي هذا السياق نجد أن الراوي لم يكن قاسيا في الحكم على بطله - بل على النقيض نجده يقدمه حتى بعد وفاته بأنه حدث تاريخي يسجل في ذاكرة الأجيال - بلغة تفخيم - ومن الصدف أن الراوي شأن بطله لم تمهله الحياة أكثر من بعض الوقت من الحياة الجامعية. لتكتمل مشهدية الترادف.
17/8/2003.
 
 
 
_____________
الهوامـش:-
1-        رواية "نافذة على المطل الخلفي"، ص 78.
2-        ينظر: نفسـه، ص 4.
3-        رجب أبودبوس، كتاب أدبيات، الوداع أركداش. 22 يوما في تركيا. الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، 1992.
4-        نفسـه، ص 86-87.
5-        نفسـه، ص 142.
6-        نفسـه، ص 65.
7-        نفسـه، ص 52.
8-        نفسـه، ص126.
9-        نفسـه، ص127.
10-        نفسـه، ص128.
11-        نفسـه، ص143.
12-        نفسـه، ص144.
13-        نفسـه، ص146.