مراجعات
مراجعة أولى:
الكتابة ماذا تعني, وما هي الحدود التي تتحرك فيها,
ومدى أهمية اللغة كقواعد في إثبات شرعيتها, وماذا تشكّل من حاجات الإنسان المعاصر,
وما الثمن الذي يتقضاه إنسان يضرب بحياته عرض الحائط من أجل ملاحقة كلمة ليصفّها
بجوار كلمة أخرى, وتتوالى الأسئلة الصغيرة لتنمو باطراد عنيف لتكوّن أسئلة كبرى,
يعجز مرتاد وهمٍ بأن يتعرض لها بشجاعة وحياد, وإذا كان من سؤال من بين هذه الأسئلة
الكثيرة يمكن الوقوف عنده, معنى كل هذه الأسئلة في منهج الشعر, بمعنى ما حدود اللغة
في الشعر, وأهمية الشعر لحياة الإنسان المعاصر, والمحاصر بالترف التقني,
وإلخ.
أنا
لا أملك الشجاعة الكافية -كما ذكرت- لأتعرض لشرار أسئلة كهذه, لكنني أشير بأن الشعر
هو تميمتي السحرية, أو وصفتي الطبية للفرار من الأسئلة الكبرى والصغرى معا, هكذا
أمضي مواصلا الشعر دون تخطيط لاستقراء الأسئلة, ذلك يحدث لي لأن الشعر بالنسبة لي
هو السؤال والإجابة معا.
مراجعة ثانية:
السؤال هنا بالذات ما تعريف الشعر في حالة كهذه؟ هنا
تحديدا لا يمكن للتعريفات المدرسية الكلاسيكية للشعر بأن تجيب عن هكذا سؤال صغير,
ذلك لأن الشعر في مفهومه المدرسي لا يعدو عن كونه وصفة لُغوية مهما اختلفت
صياغاتها, فهي إحالة لُغوية تشتمل على قواعد من فقه اللغة والبلاغة, والشعر الذي
يستجيب لانطلاقاتي الفكرية هو آلية تفكير, ومنهج جمالي, وموقف من الحياة في كلياتها
وخصوصياتها الدقيقة, هل قلت ما أريد قوله بوضوح؟!
مراجعة ثالثة:
أنا
مثلا لا يهمني كثيرا, إذا كانت هذه الرؤية للشعر بالذات أن تفوز بأصوات أكثر,
فالشعر بالنسبة لي ليس معركة انتخابية تستوجب التصفيق, ورفع الصور, إنما هو -كما
أسلفت- معركة ضد الحنجرة واللغة كبلاغة معا.
هذه
الرؤية بالذات لطالما جعلتني أرتاب في انتماء شعراء كثيرين ينتسبون لقصيدة النثر,
ذلك لأن مسارات مشاريعهم الشعرية تنهج أهداف قصائد اللحن والحنجرة-قصائد الطبل!, من
ذلك مثلا أن تدرج قصائدهم في المحفوظات المدرسية, ومن ذلك أيضا بأن تعلّق هذه
القصائد على جدران الذاكرة.
مراجعة رابعة:
النثريون الأصلاء وفق هذه الرؤية يكتبون هكذا دون
تحقيق معنى للكتابة الشعرية, ودون غايات تستوجب الدرس أحيانا, ودون تدوينها في
أحايين أخرى, القصيدة التي ندور في فلكها هنا قبضة من أثر معراج.
مراجعة خامسة:
لكن
ذلك هل يؤدي بالشعر إلى قداسة, تشترط عبودية ما ؟! بالنسبة لي ينطلق الشعر كرمز
للجمال من حالة الحرية التي صاغته إلى حالة حرية قبوله أو رفضه, يحدث هذا بعيدا عن
كونه شعرا أو لا, بوضوح مرّة أخرى أقول ليس من الضروري أن يقبل الشعر, وإن كان
حقيقيا, وليس من الضروري أن ينافس هذا الشعر أضرابه من فنون اللغة والشعر الكلاسيكي
-الغنائي- ليثبت نسبا إبداعيا ما, فمشكلة الشعر وفق هذا المنظور أنه لا يخضع لمنطق
الكثير من الفنون واللغات المعتادة.
مراجعة سادسة:
الغنائي الفذ محمود درويش يقول في تصريح -في هذا
العام,أي:2005- قصيدة النثر حازت عل شرعيتها, وعلى شعرائها أن يعترفوا بالآخرين,
وهو بهذا يضم رأيه إلى شكاوي رجال المؤسسة الشعرية القديمة, ومجموع هذه
الشكاوي هو دلالة كافية على خشيةٍ من تداعي شعرياتهم للسقوط
الجماعي.
قبل
أن أختم أود التساؤل, هل لأحد الحق في تسييس أو ترشيد خطاب جمالي ما بوهم الدفاع عن
هويّة الجماعة, هل الجماعة تودع سرّها عند فرد بعينه كحارس هوّية! أم أن خصائصها
تتوزع بين أفرادها, كسرٍّ أبدي. مهمة هذا التقديم هو القول بأن الشعر وفق المنظور
الذي نؤكده لا ينشغل بإثبات أو دحض أيّة هويّة شعرية, قديمة أو حديثة في حين أن
انشغاله يسري في تكريس ذوق جمالي محايد.
مراجعة سابعة:
التراث الشعري يمثل الاختبار الأول للشاعر, وتجاوزه لا
يأتي باستيعابه قراءةً, بالتالي التفوق عليه, بل بالكتابة بمنأى عنه إثر
استيعابه.
مراجعة ثامنة:
التأصيل أو التأثيل لأيّة مغامرة شعرية- كمغامرة تخص
الجمال- والسياحة بها عبر أفعال الماضي, هو فعل أقرب لإلغاء احتمالات الظفر بذائقة
جمالية معاصرة من ابتكار إنسان معاصر, هذا الفعل بمثابة دعوة أصولية, رغم أدائه
لأرفع المهام المناطة بالجمال.
مراجعة تاسعة:
من
أهميات الغموض الأصيل إتاحة الفرصة للمتلقي بأن يطرح أفكاره بجانب أفكار الشاعر, من
ثم يصبح العمل الشعري وثيقة مشاركة بين الشاعر والناس, وقراءة هذه الوثيقة نموذج
لمستويات العقل الجمعي لأيّة جماعة إنسانية في حوار الشاعر والتخاطب معه
معرفيا.
مراجعة عاشرة:
ليس
من الضروري أن نلتزم بالأفكار التي نطرحها حول الشعر عند كتابتنا له, إنما ذلك ما
نطمح إليه أثناء لحظات الوعي بتحولات الجمال, أما الشعر في ذاته , فإنه يظل
لحظة قدرية زئبقية نعجز عن تسييرها وفق أهواء التنظير.