مقاربة صغيرة تخص أوراقها الخاصّـة
لا
أذكر مرةً أنني كنت متلهفاً لما تكتبه الأستاذة شريفة القيـادي ذلك الشعور الراسخ
في ذاكرتي من خلال مطالعاتي المجتزئة والعابرة والذي يرسم لي نظرتها التقليدية في
تناولها للمضامين التي تعالجها إلا أنني كنت موقناً تماماً بقيمتها الثقافية كرائدة
باسلة بين كاتبات ليبيات هن أقل عدداً من أصابع القدمين وكصاحبة مشروع له فرادته في
التواصل والتطور.. إن التواصل والحراك داخل إطار المعني للأنثى الليبية ما زال
ضعيفاً وما أن تتأمل في أسئلته حتى يبرز ذلك التناقض الشاهق في نفسية المواطن
الليبي.
ليس
صحيحاً أن الليبيين مثل بقية العرب والشرق.. إن المجتمع الليبي وجبة أدسم بكثير من
ذلك الشرق المديد والمجتمع الليبي جاد في تحقيق دسامة عرفه حتى النهاية وعلى كامل
محيط الدائرة وفي مركزها أيضاً وهو مستعد لأكثر من ذلك إذا ما شعر بخطر ما!!..
والكتابة تحتاج إلى شجاعة قاسية للتصدي للإحباطات الاجتماعية التي هي في مجتمعنا
بعدد أجرام السماء حتى تحرر خياراتها ومعانيها..
يقول
الصادق النيهوم:
"الشرق كله شرطي آداب، الشرق شرطي آداب جاهل يدمن
الحشيش والعادة السرية ويكره النساء في النهار ويحترق بالشبق في الليل، مثل خنزيرة
سيسيليه في شهر مايو، فإذا رأى قصيدة من الشعر تتحدث عن امرأة رفع بندقيته وأطلق
النار في الحال".
بهذا
المفهوم تكون الكاتبة الليبية الأكثر انشغالاً من غيرها، إذ يتصدى لها العرف
الاجتماعي كتنين خرافي يجيد أشياء مفزعة كما يتصدى لكل النظم المعرفية والسنيَّة
داخل المجتمع وفي مقدمة هذه النظم الدين !..
إن
تعاطي التحدي مع نظام اجتماعي كالعرف الليبي ينوء بحمله الرجل ذاته كما تنوء
المؤسسة الثقافية كذلك بتحمل الرزء الناجم عن تحديه.. ولا أبالغ إن قلت أن الدولة
وإن كانت ذات نوايا طيبة تستطيع فعل ذلك.. ووسط هذا الظلام الدامس تظل المحاولة في
فضاءات صغيرة والتي تتخذ طريقاً فرعياً للمواجهة الحقة هي سيدة الموقف في الظروف
المثالية، وبالتالي يقف النتاج أو الفعل الثقافي المتمخض عن هذه الظاهرة
هزيلاً..
أما
الكاتبة شريفة القيـادي فإنها ظلت تشق طريقها بمحاولة تعميق الإحساس بمعنى الكيان
الأنثوي بصفته معنى وجودياً حاسماً لحياة الإنسان يبرز ذلك من عناوين أعمالها "هدير
الشفاه الرقيقة" "كأي امرأة أخرى" "من أوراقي الخاصّة" "هذه أنـا" "بعض
الهمس".
في
كتابها "من أوراقي الخاصّة" الصادر عام 1986 والذي ضمّنته أربعاً وأربعين قطعة
نثرية تقترب جداً من فن الخاطرة، والتي كتبتها في أواخر عقد الستينات وحتى بداية
عقد الثمانينات مما يتيح للباحث والمتابع للحركة الثقافية الليبية رصد بدايات هذه
الكاتبة..
والخواطر تمور بسيل انفعالات متنامية بلا حدود وفي كل
الاتجاهات.. تمور بغزارة وجدانية وعن شعور الوحدة عند الفتاة الليبية.. عن شعور
الخوف والارتقاب وهي إذ تستعرض ذلك لا يفوتها عرض أمانيها في التحرر من هذه
الكوابيس والتي لا يمكن للمرء إغفالها ما دام يملك الرغبة في النهوض في وجه الحياة
الرجعية..
لقد
كتبت ما كتبت وهي ما زالت شابة في مقتبل حياتها طامحة لتسجيل الكثير من الهموم
الصغيرة بلغة بسيطة مما يتيح للقارئ القلق فرصة الاستغناء عن أجزاء من أي خاطرة متى
طاب له فعل ذلك..
لكن
عنوان الكتاب يحمل إغراءً ما في مجتمع ذكوري يقف أفراده على رصيف الهزيمة العاطفية
بانتظار أي بارقة أمل للاقتراب من عالم الأنثى الغامض والمستحيل .. ولكن ما أن يقدم
للهجرة نحو هذه الأوراق حتى يفاجأ بأنثى طموحة لا تبيع أفكاراً ماجنة ولا تتمرد على
أي شيء إنما تشتري الإرادات الصغيرة وتسحقها بما هو أكبر..
أنثى
تقول: "أريد لروحي الخلود إذا ما لم يخلّد الجسد.. أرنو للمستقبل السعيد المشرق
الذي أريد أن أبنيه.. ولكن الذي يعرقل خطواتي هو رداء التردد المحيط بي.. الذي
يعوقني هو هذا النسيج العنكبوتي الذي يضيق على خناقي يمنعني من أن أعلي صوتي
متحديه.. هاتفه.. أتركوني بالله عليكم.. أعطوني.. حريتي.. وكسروا أغلال الاستعباد
عن رسغي ودعوني كما أريد زهرة فوّاحة تنشر عبيرها في كل أرجاء الحياة.." ص
31-32.
والمتأمل في سطور الكتاب تواجهه نهنهات الذات بكثافة
وجرأة وبأسئلة مترامية الأطراف ومتماهية مع الشأن الاجتماعي..
إن
الكتابة بسؤال الذات أمر مشروع ما دامت الذات تملك اضطهادها..
والمتأمل أيضاً أن الخواطر الأولى والتي كتبت أواخر
عقد الستينات تتعرض لمفاهيم الوحدة والخوف والهروب من الناس واللجوء لمعاني لامظة
.. وبذا كانت أفكارها غير واضحة، مضطربة مجرد تهويمات نثرية مجرد سطور محشوة
بتناقضات النفس البشرية وما يواجهها أثناء سنوات التكوين..
أما
الخواطر التي كتبت عند منتصف عقد السبعينات وحتى العام 1983. فإنها تبدو على قدر من
النضج متجاوبة مع أفكارٍ واضحةٍ كالأمومة والزواج من الصغيرات والطلاق والحنين
للماضي والإنجاب غير المنظم وغير ذلك، ويمكن ملاحظة احتفاء الخواطر هنا بأسئلة
وحوارات من أطفال الكاتبة وزوجها وسطوع أسماء هؤلاء ومن خلال هذا تنزاح الكاتبة
أكثر للشعور بالطمأنينة والتي طالما ناشدتها عبر خواطرها الأولى..
والإنسان يولد ويولد معه الخوف كائناً كامل الصلافة
يقاسمه ذات الجسد وعبر حياته يحاول قتل هذا الشريك السلبي بالنجاحات المتواصلة
وبأوهام كثيرة أخرى لا يمكن الإتيان بها في سطر من مقال..!
والكاتبة إذ تتسرب منها مشاعرها عبر كتاباتها فإنها
تستطيع حسم أو حصر المعاني المتسربة من وجدانها الفيّاض.. لذا جاء إهداؤها لكتابها
يحمل هذا الوعي..:
"هذه
سطور خاصة بنفس قلقة.. سطور مشحونة بالقلق الذي ما فتئ يملأ أعماق ذاتي منذ أول
أيام عمري.. هذه السطور الصادقة مني لكل بنات جنسي".
وأنا
إذ أستجيب لنداء الكتابة عن هذه المبدعة فقد وجدتني استنجد بهذه الأوراق الخاصّة
المكلومة بمجتمع اللالات الذكورية وهمسات الطاعة الأنثوية...
هذه
الأوراق البسيطة جداً والجريئة أحياناً تعكس أرضية مجتمعها الحضارية
والروحية..
هذه
الأوراق محاولة هادئة لنيل ما يمكن نيله بطريق الأنين..
وفي
الورقة الثانية والعشرين قولاً هذا نصه:
"لقد
حاولت أن أكون شيئاً له خواصه الفريدة وحاولت أن أكوّن لنفسي شيئاً أو قوقعة أذوب
في لحاها ولكن أحس بأن كل ذلك قد امّحى".
11/4/2004
--------------------------------------------
من
أوراقي الخاصّة "..الطبعة الأولى 1986..المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع..شريفة
القيادي.