مداخلة: 4
معــــــــــــــــــــــــاجم
هل
مليطان وكيل تجاري للبابطين؟
-1-
فكرة
العمل المعجمي قديمة قدم الثقافة نفسها, ولا أجدني هنا مضطرا لأذكّر بالأعمال
العربية المعجمية التي يعرف الكثير من القراء عنها الكثير, بل وحتى الثقافة العربية
في ليبيا شهدت نهوض هذا الطيف من العمل الثقافي من خلال العديد من المبادرات ذات
الطموح النبيل, منها مثلا: نفحات النسرين والريحان لأحمد النائب (1899), وأعلام
ليبيا للطاهر الزاوي (1961), وكذلك معجمه عن البلدان الليبية(1968), وأعلام من
طرابلس لعلي مصطفى المصراتي(1955), وأيضا مؤرخون من ليبيا والتعابير الشعبية, وإن
كانا قد اشتملا إلى جانب الحصر المعجمي جانب التحقيق والدراسة وغيرهما, وقد تفوّق
المصراتي على الزاوي بلجوئه إلى -من-, ورغم نصائح المصراتي للزاوي بأن يلجأ لهذه
الـ-من-غير أن الزاوي رجل يقيني وعنيد ولا يحتمل غير ما يقول, وبعد هذان الرائدان
تقدم خليفة التليسي ليترجم العمل الموسوعي الأقدم عن سكان ليبيا(1974), والذي خطه
هندريكو دي أغسطيني, وقد أغرت هذه الترجمة التليسي بأن أصبح عند العامّة عرّاب
الأنساب في ليبيا, فقام بإعادة نشره كأحد مصنفاته(معجم سكان ليبيا.. تصنيف خليفة
التليسي- 1984), ولم أجد -وهندريكو نفسه يشهد- تصنيفا غير تصنيف هندريكو دي
أغسطيني, لكننا مادمنا نتحدث عن الإصدارات تجدر الإشارة والذكر, والتليسي كان قد
أعد معجما أخرا بعنوان(معجم معارك الجهاد-1972), وفيه اعتماد رئيس على المصادر
الإيطالية, ويستمر العمل المعجمي في ليبيا خلال السبعينيات ليشهد ازدهارا ملحوظا من
خلال الموسوعات التي أشرف على إعدادها الصادق النيهوم منها مثلا: موسوعة
تاريخنا-6أجزاء-وكذلك موسوعة المعرفة العلمية والإنسانية-10أجزاء- وموسوعة السلاح
وأطلس العالم والشباب ومأكلنا وغيرها في محاولة لتأثيث البيت الليبي بالمعرفة
الضرورية, فيقول مثلا صاحب هذه الموسوعات عن موسوعة المعرفة إنها الأولى من نوعها
في الوطن العربي, وأنا لا يهمني الآن بقية الموسوعات بقدر أهمية موسوعة تاريخنا,
والتي لم تقرأ بعد في تقديري, إنها ليست رصفا لأحداث تاريخية بقدر ما هي تأسيس
وسؤال لجغرافيا, وقد أثارت مثلا جزئية منها فقط تتعلق بالهجرة الهلالية أحد
الباحثين لكتابة كتاب يرد فيه على ما جاء بالموسوعة, وإن كان كتابه بلغة رديئة, إلا
أن ذلك يعني أن العمل المعجمي والموسوعي بإمكانه أن يثير الأسئلة, وإثارة الأسئلة
يصب في نهاية المطاف لمصلحة تاريخنا الوطني.
واستمرت الأعمال ومنها على سبيل المثال عمل يخص
الببليوغرافيا الوطنية الصادرة عن دار الكتب الوطنية, وتؤرخ للكتب الصادرة في
ليبيا, وصدورها كان منذ مطلع السبعينات وحتى منتصف التسعينات, وكسائر الطموحات
الليبية الجماعية أو الفردية توقفت, ويمكن حصر هذه الأعمال التي عرفتها ثقافتنا
الوطنية, والتي منها ما جاء على شكل فهارس, كالتي صدرت عن مركز الجهاد وجامعة
قاريونس, والمتصلة بالمخطوطات والدوريات وغيرها, والذي أريد الإشارة إليه أن ثمة
عمل معجمي شهدته الثقافة العربية في ليبيا, ويمكن تبويبه والتنبيه إليه ليكون لبنة
أساسية للانطلاق إلى مشاريع أكبر.
-2-
تتويجا لهذه المبادرات الكثيرة والصغيرة والكبيرة على
حد السواء نهض عبد الله مليطان بإعداد معاجم الأدب الليبي الخمس وهي معجم الأدباء
والكتّاب الليبيين(2001) ومعجم الشعراء الليبيين(2001) ومعجم القصاصين
الليبيين(2001) ومعجم الكاتبات الليبيات (2005) ومعجم الأدب الشعبي (2005), بعدما
استنزفت منه وقتا وجهدا طيلة فترة التسعينات, وهذه الأعمال لعمري أشد ما تحتاج إليه
الثقافة في ليبيا والمثقفون الليبيون, ويمكن التأكيد على أنها تشكل دائرة معارف
للانطلاق لدراسة الأدب الليبي, ورصد ملامحه بشكل عام, كما أنها تعطي بيانات حصرية
وتاريخية للإنتاج الإبداعي, ومدى ارتباطه بفترات الاستقرار وغير ذلك, والتي شهدتها
ليبيا وبالتالي تقديم المعرفة بالأدباء والكتّاب والباحثين الليبيين, هذه المعرفة
التي ظلّت غائبة حتى فيما بين الأدباء أنفسهم, كما أن شيوع هذه المعرفة تشكل لبنة
الوصل بين العمل الإبداعي والدراسات الأكاديمية, وإن كانت لي من ملاحظات عامة حول
هذه المعاجم, فهي موزعة بين ما يستطيع معدّها تداركه في الطبعات التالية, وبين ما
لا يستطيعه في تقديري وذلك لارتباطها بقضايا شائكة, وألخصها في
التالي:
-عدم
إدراج تاريخ الاستمارة, فمُعد المعاجم اعتمد بشكل ٍ رئيسي على استمارات حررت من قبل
المعنيين أنفسهم, وهو عمل منهجي, لكن ذلك بطبيعة الحال تم في فترات متباينة بعض
الشيء, فمثلا هناك من ملأ استمارته قبل صدور المعجم بسنوات, ومن المعلومات المدرجة
مثلا المؤهل العلمي, فنجد مثلا أنه مازال يواصل في دراسته الجامعية أو انتسابه
للجامعة المفتوحة وغير ذلك حتى عام 2001, وهو
ما صادفني في أكثر من مترجمٍ له, ويمكن مراجعة مثلا -234-264, وعلى أية حال هذا
للدقة العلمية.
-
إضافة بيانة تتعلق بحصر المخطوطات, وهنا نصطدم بأن عددا لا بأس به -للأسف- من
الأدباء والكتّاب يكتبون بدون مسئولية علمية وأخلاقية, إنهم يكتبون عناوين لأعمالٍ
يحلمون بكتابتها, ولم تسّطرها أقلامهم, وهذا كذب جماعي مارسته النخبة الثقافية في
ليبيا ويا ويلي !! فلو حصرنا عدد الروايات المخطوطة لما تفاجئنا أنها تُعد بالعشرات
ناهيك عن الدراسات والترجمات.
-
بعض ممن أدرجت أسماءهم لم تتبين صلتهم بالحرف المكتوب كما ينبغي, وبعضهم اشتغاله
يندرج ضمن الشغل الصحفي أو الكتابة العمومية, فالذي تناول أسرار إجلاء القواعد يتيح
لغيره ممن تناول أسرارا أخرى بأن يدرج اسمه, والذي أدرج لكتاب تناول فيه شيئا من
تاريخ ليبيا يفتح المجال بأن تدرج أسماء المشتغلين بهذا التاريخ, بل والمترجمين له
من لغات أخرى.
-المقاييس التي وضعها المعد فيما يتعلق بشروط الكاتبة
الليبية قد لا أتفق معه بشأنها, وليس من المهم مفاجأتي بأن في ليبيا أكثر من ثمانين
كاتبة وأديبة, لكن المفاجأة تكمن في التعثر الجماعي لهذا الكم الهائل في الاقتراب
من الكتابة الأدبية الناضجة, ولو كنت في موقف مليطان لما احترت في الطريقة التي
ستجعلني أدرج ثمانية منهن عن ثلثي قناعة, واثنتين هكذا على مضض حتى يصلن إلى عشرة,
لكن شروط مليطان والتي تنحصر في نشر خمسة قصص أو عشرة نصوص شعرية في أي دورية كصحف
الشعبيات وصحف مصلحة الجمارك والمرور والحرس البلدي يتيح لهن ذلك, وهنا فقط نقف عند
حقيقة أن الأديب الذي يقره المعجم شيء, والأديب الحقيقي شيء آخر, وإن ذلك ليس
مسئولية مليطان وحده, إنها حقيقة من معجم الثقافة في أي ثقافة في أي
بلد.
- لا
أعتقد أن معد المعاجم ستقدره الظروف بأن يتصدى بمفرده لحصر الأدباء والكتّاب
الليبيين بالخارج, وممن يكتبون بلغات أخرى, فثمة شغل ننتظره في هذا
الصدد.
- لا
اعتقد أن معد المعجم ستقدره الظروف لإنجاز معجم بدون تحفظات على بعض الأسماء, وأيا
كانت هذه التحفظات, فينبغي في الفترة القادمة أن ننفتح على أنفسنا بشكل حضاري,
وبحوار يطال كل شيء في خطوة لصياغة تاريخ وطني عام.
-
يمكن إضافة ملحق بهذه المعاجم يضم تراجم لكتّاب عرب أسهموا في حركة الثقافة الليبية
وممن تكررت أسماءهم بالمعاجم في أكثر من مناسبة.
-3-
تحت
شجرة وارفة في مقهى طرابلسي انتصبت إحدى النرجيلات تبكي, ولم ألبث لأحدّثها حتى نزت
دمعة بإزائي احتميت بصديقي مليطان الذي كان يمتص من شغافها رحيقا, ثم لم تتركني
أتساءل حتى تزاحمت دمعاتها الكثيرة, وصرن سيلا متدفقا باتجاهي, وأنا أحتمي بمليطان,
ياه, إنها تقول أن أحدهم كتب عن مليطان سمسار معاجم, فلم أجد بُدّا من أن أبكي
معها, لكنني سرعان ما تذكرت أن هذا ذائقة تغعيلية يبرز في الأوقات العظيمة للآخرين
لينكد عليهم, وهو لم يعد يشكل أي نكدٍ لأحد حتى ولو كان المستهدف مليطان, فقد تغيرت
شروط اللعبة, وأن مليطان نفسه لن يتألم كثيرا وأن ليبيا لم تعد تعتمد على ذاكرة
تفعيلية, وأن النثر هو مستقبلها, ضحك مليطان, وضحكت أنا, وضحكت الأشجار من حولنا,
لكن النرجيلة لم تضحك أنها استأنفت البكاء, وأن لعبتي لم تنطلي عليها, ثم طفقت من
جديد تقول أن شاعرا ممن يقولون بالنثر كتب عن المعاجم أنها الرداءة تمشي على
قدمين(صحيفة الجماهيرية:15/7/2005), وأن صاحبها وكيل تجاري للبابطين, وأن هذا العمل
بأسره استهتار بقيم الأدب, وأنها لا تعدو عن كونها دليل سياحي للكتّاب, عندها, أيها
الشعب بكى مليطان حتى صرع, وأصبت أنا بالذهول, لكن الجمرة التي مازالت تتوهج على
النار تدخلت بسؤال طارئ بالصيغة التالية: أين لمحمد الكيش أن يقول عن معجم البابطين
وعن معجم مليطان استهتار بقيم الأدب وهو الذي -حسب قوله- ملأ استمارة معجم البابطين
مرتين, فهل سخطه لأنه لم يدرج في معجم البابطين؟ عندها فقط تساءلت النرجيلة وما شأن
مليطان في هذه الحالة؟ إذا كان شعره لم يقنع اللجنة المشرفة على معجم البابطين؟ لا
تظلموا الرجل قال قدح موضوع على المنضدة أمامنا, ثم واصل الحديث بقوله: إن أعمال
الرجل لم تدرج ليس لعدم كفائتها فقط, وإنما لأنها نشرت تحت عنوان كتابات جديدة في
ثلاث كتيبات جيب لا تشكل معا كتابا ذا كعب, لكنني هذه المرة بالذات لم أشأ التدخل
لأقول أن هذا الشاعر لم يدرج لأن البابطين يهتم بشعراء التفعيلة فقط , وذلك لأن
المعنيّ هو تفعيلي الثقافة والسلوك والرؤية, وتركت الجمادات تتحدث فيما بينها بلغة
لا أجيدها,فمنطق الجماد أحيانا أبلغ, وأن أعمالا كثيرة تفقد بريقها في ثقافة
الكهوف.
-4-
صدر
معجم عن دار الكتب الوطنية بعنوان (المؤلفون الليبيون المعاصرون..تراجم ومؤلفات) في
طبعته الأولى عام 2002, وفي عدده الأول, في غياب هائل لأسماء كبيرة في الثقافة
الليبية, فهل من المعقول أن عددا من الكتّاب الذين تجاوزت مؤلفاتهم العشرين
والثلاثين مؤلفا يغيبون عن هذا المعجم؟؟ فما بالك بأصحاب الكتاب الواحد, وكذلك
إخراجه الفني غير جدير بالتقدير فبدلا من أن توضع صور بعض الكتّاب الوطنيين
المرموقين أو ما يشير إلى معنى التأليف والكتابة في العموم, وضعت رسومات لأشخاص
خياليين, وبإخراج سيء وبطباعة متواضعة جدا, لكن ذلك لا يقلل من قيمته إذا ما تواصل
هذا المشروع, ويتم توزيع الاستمارات على الأدباء والمؤلفين, فيكفي أنها لم تصل إلى
أكثر من مئة وستين أديبا موجودين في معجم مليطان, فما بالك ببقية المؤلفين في
مجالات المعرفة الإنسانية الأخرى, والخطأ الصغير هنا لا يكون مقبولا, لأن المشروع
كما ورد صادر عن لجنة متخصصة منبثقة عن مؤسسة بحجم دار الكتب الوطنية, وأنا لست من
المتشائمين من هذا المشروع الذي صدر جزؤه الأول منذ أربعة أعوام وتوقف بثوبه
الحزين, فلابد أن ثمة فرص أكبر لتفادي أخطاءه الأولى, وليت الذين بحثوا عن صغائر
دقيقة في معجم أنجزه مثقف ليبي لم يدعي أنه كاتب أو أديب, ولم يكن وراءه مال أو
أمير أن يناقشوا ما أنجزته مؤسستهم الثقافية! وعموما, نحن لسنا بحاجة لتخطئة أحد
بقدر ما نحن بحاجة إلى التعاون مع الجميع لإنجاز طموحاتهم التي هي طموحاتنا
أيضا.
-5-
إن
تاريخ الثقافة الليبية في العمل المعجمي كما أشرت منذ البداية, يهيئ بأن يكون بين
صفحاته اشراقات كبيرة, وكذلك الأمانة العلمية تقول أن توزيع استمارات معجم الأدباء
والكتّاب الليبيين سبقت استمارات معجم البابطين للشعراء العرب, وهذه ليست إدانة أو
تقليل من شأن أي معجم حتى وأن كان العكس, فحاجتنا للتواصل العربي من خلال ترجمة
أربعة أو خمسة شعراء في معجم عربي شامل لا تغني عن حاجتنا لترجمة400أديبا وكاتبا
وكاتبة ومشتغلا بالتراث الشعبي في التواصل مع أنفسنا, والسبق وإن كان لمن كان لا
يعني شيئا, لذا فالاتهامات في هذا الصدد, وأن تحقق لها الصدق لا تكون اتهامات,
فالثقافة في مشاريع كثيرة منها لا تعتمد على السبق في الفكرة بقدر اعتمادها على من
يتولى مسئولية تنفيذها, فالأفكار كثيرة, والطموحات أعظم, والمال والجهد شحيحان في
مجال التنمية الثقافية في أقطارنا العربية, وأن بلدا بمثل ليبيا سيظل مثقفوه يزهدون
في التعريف بأنفسهم حتى من خلال السبل التي يتيحها العمل العلمي, فما بالك في
الأساليب البرجماتية التي يمارسها عدد من المثقفين العرب, فهل تلميذ علي مصطفى
المصراتي عبد الله مليطان وكيل لذلك الأمير العربي الذي اهتم بالشعر العربي,
الواقعة التاريخية تقول لا, وحب الثقافة العربية لا يعترف بالوكالة التجارية في
مجال الثقافة بقدر ما يعترف بالقدوة الحسنة وتبادل الخبرات والطموح المشترك, وأن
لحظة ظلامية سوف لن تقتل النور المنبعث من فوانيس الحب العربي في ليبيا أو
الكويت.