الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
لماذا التصـوف           
 
لا أريد أن أضع أطروحات وأقدم أبعاداً لمقولة أبي زيد البسطامي "سبحاني ما أعظم شأني" ومن ثم أشرع في شرح مدلولاتها وتداعياتها.. حتى أجدني متحدثاً عن جذور نشأة التصوف الإسلامي أو التصوف كفكرة.. لأن هذا المنحى تم استفاؤه.. والاتفاق حول نقاط عديدة تخصه.. لكن ما جعلني أتساءل وأقول لماذا التصوف؟..
هي النزعة التي تشهدها مشهدية الثقافة من نزوع إلى تمثيل أدوار المتصوفة من قبل أفراد الوسط الإبداعي.. حتى أصبحت ظاهرة مرئية الحضور.. مقروءة الغياب كتجربة.
وعندما أقول التصوف هنا.. لا أركن إلى اعتماد منهج الطرق الصوفية وتفرعاتها المليون وإنما التصوف ما اختص بالفكر والشعر على نطاق أضيق.. فأصبحنا نقرأ التأثيـر الصوفي عند الشاعر فلان، ونبرة الصوفية عند الكاتب فلان وتجريد اللون ذو البعد الصوفي في لوحة فلان.. ومكمن الغرابة أن فلان لم تستحضره التجربة الصوفية ولم تستضفه إليها.. كي يجلس على ركحها ويتكئ على نمارقها.. بل تنفر منه ولا تغازله حتى مجاملة ...فالتصوف حالة يعيشها صاحبها ليسبر أغوار عوالم أخرى وفق أبجدية ترتبها حواسه.. محاولاً الاتحاد بالآخر متكئاً على إيمانه.. حبه.. شفافيته.. تفجر لغة النبأ الصوفي لديه.. في قصيدة تنسب للحلاّج يوجز فيها نسبيّاً التصوف فيقول:-
لا تسأمن من مقالتي يا صـاح                 واقبل نصيحة ناصـح نصّاح
ليـس التصوّف حيلـة وتكلفـا                 وتقشفـاً تواجـداً بصيــاح
ليس التصوف كذبـة وبطالـة                   وجهالـة ودعايـة بمــزاح
بـل عفـة ومـرؤة وفتــوة                            وقناعـة وطهـارة بصـلاح
فهذا الحلاّج يقول التصوف في أبيـات.. كأنه يخاطب هؤلاء المتشدقين بالصوفية هذه الأيام.. كأنه يعمل على تصديع البناء الذي يحتضن بداخله صوفية لم تتشكل في أتون التجارب الحقيقية ولم تكن نتاج لمنطق فكري واع.. فشأن هؤلاء شأن من قال فيهم "روجيه غاردوي".. "يقرأون النصوص المقدسة بعيون الموتى".. تماماً.
إن تفصيح الحوار الثقافي بالركون إلى المعجم الصوفي شريطة بناء أنساق واضحة للتوظيف لا يعد تمادياً على حرمة التجربة الصوفية وخلع قدسيتها، أما تلوين التجارب الأدبية بالنكهة الصوفية المؤدلجة بنيل التجربة الصوفية دون سابق تجربة فهذا لا يصنع إلا مساحة مخرومة من المعرفة.. فيروي عن الحسن البصري أنه قال بتهكم للمتصوف مالك بن دينار وقد رآه مرتدياً كساءً من الصوف "إنه كان على شاة قبلك".. لماذا قال الحسن البصري هذا وهو المتصوف الزاهد ومرقعة الصوف رمز يرتديها المتصوفة الزهـاد.. لأنه - أي الحسن - استشف تلك اللحظة بأن مالكاً أخذ بالظاهر وغفل الباطن الذي هو صوت الجوهر عند المتصوفة..
عندما نتجه إلى أدب المتصوفة ونجلس على الجغرافيا الشعرية التي يصنعها مثلاً ابن الفارض تجد الإتكاء التلقائي لتوظيف صور من حياة المتصوفة يتسامق في فضاءه الطبيعي ومحيطه الفني.. أما الإكسسوارات التي يزين بها رواد الفنتازيا الشعرية اليوم لتزيين واجهات أعمالهم الإبداعية والتي تنطق بالفقر المدقع للتجربة أضحت ظاهرة مكشوفة ولن تستطيع خداع المتلقي الذي فطن إلى هذه الأفلام.. أو أشرطة الخيالة كما يطيب للإذاعة الليبية القول.
إذن هذه المكيجة هي ذاتها التي يستخدمها مخرجو "الفيديو كليب".. كي يشطح بالمتلقي بعيداً عن النص.. إلاّ أن المتلقي مر بمرحلة إشباع من هذه المتع الرخيصة والمكرورة.. بل بالعكس أصبح يصحح قراءة تاريخ هذه النصوص.. بل لربما استدعى "فوكوياما" جديداً ليسطّر نهايتها.. هذه النصوص التي جعلت من التجربة الصوفية مصطلحاً سيء السمعة.. بل فاقداً للشرف عندما نقف عند دراسة نقدية "منشورة في مجلة رصينة" تتحدث عن المصطلح الصوفي عند تجربة الشاعر (...) وفقدان الشرف للتصوف هنا ضرورة تاريخية تفرضها السفسطة التي تجعل الصوفية تتحرك في وسط محموم بالمثاقفة المصابة بالعشى الليلي.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحـاح.. ما الذي أتى بهؤلاء القوم إلى فضاءات التصوف؟ الإجابة جداً يسيرة.. وهو إما أن يكون قد سمع أضغاث أخبار عن مقاربة التجربة الصوفية بالسريالية وأحياناً بالرومانسية فاندلق مدفوعاً إلى التصوف بتصورات يشوبها اللغط والمثاقفة الشفهية أو أغرته شطحات الصفوف المتأخرة من الصوفية "الدراويش" والتي كسرت ثوابت أخلاقية معينة - أو علم بأن "جان جنيه" هذا الشاعر الذي يدعو للشر والشذوذ كان لا يحتفظ بأي كتاب حتى مؤلفاته ماعدا "طواسين الحلاج" وكان يقرأها بترجماتها الفرنسية ويحمل نسختها العربية ويقول "ليتي أستطيع قراءتها بلغتها الأصلية !.. فغره ما غره من ذلك وقرر ما نستدعيه نحن للنقاش الآن..
إن التوظيفات المفبركة للصوت الصوفي شأنها شأن الكم الهائل من النظم التائه الذي يتململ في أحشاء القالب الفراهيدي بحجة الشعر الذي هو في واقع الأمر - أي الشعر- يصرخ من انتحال شخصيته.
 
2000