هُويـــــــة التجربـــــــة الجديـــدة
بقلم:رامز النوصيري *
كلام
البرق..هو أولى مجموعات الشاعر/صلاح عجينـة..ولعل الشاعر عندما اختار هذا العنوان
كان يعي تماما أنه يختصر أحد أهم تنظيرات الشعر الحديث..فهو البرق..والبرق كفعل
حياة قصيرة..وكفعل أيضا إضاءة تشمل المحيط كلّه..وكقول صوت يزلزل التوابد..هذا
الملخص يعكس رؤية الشاعر في كتابته للنص..فهو ينحاز بإطلاق تام لكتابة نص حديث
مكتفٍ عمّا حوله..متعلق بذاته/الشاعر..
وها
نحن لا نتكلم عن ذات..بقدر ما نتحدث عن ذات خاصة..ذات مكتفية عن كل اتصالها بالعام
إلا بما يتماس معها شخصيا..ضمن علاقة أحادية تترجم تعاطي الشاعر وموجداته..هذه
الذات هي أهم سمات التجربة التسعينية [سواء محليا أو عربيا] ..وهذه التجربة هي
الموازاة الطبيعية لمقدمات الألفية الجديدة..هذه التجربة جعلت من هذا الجيل يتجه
مباشرة علاقاته الصغيرة..صانعا منها أسطورته..وحكاياته التي يستغني بها [المعنى هنا
تام] عن كل الحكايات والأساطير السابقة..فهو يعايش أهم المنجزات الحداثوية التي
تساقطت أمامها كل الأساطير والخرافات السابقة..يقول:
نص:
إليها
سأكتب دموعك على جواربي
وأركض..
كي
لا أنساك.
إننا
لا نقف عند مجرد إلتقاط يومي عابر..أو التقاط غريب..إنه التقاط صنعته العلاقة بينه
وبين الجورب..ولنقل بينه وبين الطريق..الذي يختفي وراء عملية [الركض] التي بها
تتحقق عملية التذكر..وفي عدم وجود الطريق تنتفي إمكانية الركض..وبذا فإن ارتباط
الشاعر في أوله هو ارتباطه بالطريق الذي يشكل جزءٌ مهما في جغرافيا حياته..ومن هذا
التعايش فإنه يصنع أدواته الشعرية..التي يشتغل بها نصه..يقول:
نص:
قضايا
يروق
لي أن استفهم..أين الوزن
../إنه هنا في هذه العقيدة
../هنا في أغنية الشاب خالد
../هنا في قصيدة النثر.
إذن
فقصيدة النثر هي النتاج الطبيعي لهذه العملية المربكة..وهذا يقودنا قصيدة النثر في
الأساس..في محاولتها لتكون الشكل الشعري الموازي للواقع..والشكل الشعري
المتحرر.
حقيقـةً..وحتى لا نغرق في عملية التأريخ..فأننا نتجه
مباشرة إليها كمنجز يواصل تقدمه وتطوره..وبقدر غواية هذا المنجز..بقدر ما تتأكد
الرحلة الشاقة لوجوب أن يعمل النص على إحياء نفسه خارج دوائر النظم أو
الإيقاع..وهنا يعمل الشاعر بجد من أجا إنتاج نص كامل البناء وقبل كل شئ حي..بالعودة
لمجموعة [كلام البرق] ندخل إلى داخل النص..إلى بناءه..الذي اعتمد المقاطع والومضات
أو كما أسمتها سوزان برنار في كتابها [قصيدة النثر من بودلير إلى عصرنا]
الاشراقات..حيث يعتمد النص في بناءه على المقاطع توترا وتتاليا..حيث تعمل هذه
المقاطع والومضات أو الاشراقات على ربط الدفقات تواليا..بحيث تمتد الإحالة من مقطع
إلى مقطع..هذه الكتابة المقطعية هي أحد نتاجات التشكيل..أو العمل على شكل النص..وإن
كان هذا النص يعاكس النصوص السردية الطويلة..فهو بذات الوقت يقف على حافة
الخروج..بمعنى إن مجانية اللغة وقصورها يغلبان الشكل للخروج إلى مجرد الكتابة
العادية..وفي هذه المجموعة[كلام البرق]التي اعتمدت هذه التقنية ..نراها تقترب
أحيانا وتقف على الحافة أحيانا أخرى..ولعل هذا يقود إلى محاولة لعمل تفكيكي..وهذا
ما تقودنا إليه اللغة في هذه المجموعة حيث تتعامل اللغة بأحادية تامة..حيث اللغة
موقوفة لما يراد منها..أو موقوفة فقط لعملية الإيصال..حيث الاكتفاء
بالمحسوس..يقول:
نص:
انكسارات
تحت
أردية مستأصلة
الليل ينحي لمسود الفضيلة..
بين
معاول البصر
شق
بريق
ينحت
مرتعشا على الدمعة
صورة..
سعفة
نخيل
تتأبط ورقة الكرم الخريفية..
تثقب
الطن
تعلن
انحسارها على سرير
الاجتياح..
برج
الفكرة غريب..
جنون
الصدف
تحدق
مرتقبة
تفترش الضجر..تفصصه
تعاين أمعائه اللازوردية
في
دجى المعصية تعالجه.
وإن كُنا في مقاربتنا حتى هذه
اللحظة قاربنا أجواء النص عامّة..واقتربنا من بعض جوانبه التي تمس النص ذاته..إلا
إن أهم ميزات هذه التجربة التسعينية والواضحة في هذه المجموعة..الاتجاه إلى داخل
النص..فالتعويل على الشكل أو المضامين ليست من أولويات الاهتمام [خاصّة قصية
الشكل]..لذا فإن النص يبدو عملية من الاشتغال الداخلي..المكثف..الموصول
بالذات..وباليومي عبر لغة لا تحتاج الكثير من
المراوغة.
*شاعر وكاتب ليبي.