كلام
البرق..مجموعة شعرية أولى لصلاح عجينـــة
بقلم:جميل
حمادة *
صلاح
عجينـة..شاعر ليبي شاب..وهو في ذات الوقت طالب في كلية الطب بجامعة الفاتح..وهو أحد
الشباب المهتمين كثيرا بالأدب والثقافة والشعر علي نحو خاص.وكان صحبة زميليه
الشابين الشاعرين ربيع شرير وصابر الفيتوري كانوا المشرفين علي الملحق الثقافي الذي
كانت تُصدره صحيفة الراية التي كانت تصدرها شعبية مدينة الزاوية حيث كانت أمانة
الإعلام والثقافة بشعبية الزاوية تقوم بالعديد من المناشط الثقافية الهامة..
والعديد من المهرجانات الأدبية.. شعرا وقصة ونقدا وغير ذلك علاوة علي البرامج
الثقافية التي كانت تقوم إذاعة الزاوية المسموعة عبر تلك البرامج باستقبال عديد من
الشعراء والأدباء والنقاد. وقد تشرفت في كثير من الأحيان بأن أكون ضيفا علي أثير
هذه الإذاعة الناجحة.. رغم إمكانياتها التقنية المتواضعة. ومن خلال كل هذا
الخضم الإبداعي بضجيجه وهدوئه اكتشفنا هذا الشاعر الشاب صلاح عجينـة ونشاطه وحيويته
المتوقدة وحرصه الدائم علي مرافقة الشعراء والتعلّم والتثاقف وإجراء الحوارات
الأدبية المفيدة له ولمجايليه. ولكن يبدو أن كل ذلك لم يبقه صلاح عجينة مجرد حركة
علي السطح..بل ترجمه إلى فعل حقيقي..بأن قام وأصدر مجموعته الشعرية الأولي علي
نفقته الخاصة..ليتوّج بها علاقته الحميمة بالقصيدة ..وكأنه قد منحها وعدا حقيقيا
بذلك..ووفّي بوعده ذاك.
جاءت
هذه المجموعة التي لم يذكر فيها ما يشير إلى دار النشر التي طبعتها..في 55 صفحة من
القطع الصغير..وتضمّنت 25 قصيدة..متنوعة بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة التي فيها
الكثير من العشوائية..علاوة علي عدد من قصائد الومضة القصيرة التي تدل علي
تجربة جيدة وإطلاع ومثابرة . يقول الشاعر في إهدائه [ إلي كل من راودته فكرة
الثورة.. فآمن بها طريقا نحو عوالم أرحب..إلي كل من آمن بأن الكلمة تحمل أرتالا من
المعاني ]. ويبدو أن صداقة الشعراء الشباب الثلاثة قد تركت أثرها أيضا في هذه
المجموعة.. فها نحن نرى المقدمة فيها قد كتبها له صديقه صابر الفيتوري فيقول في
مستهلها:
[ هل
للبرق كلام؟..وهل لسانه ينشطر عن التلعثم؟!.لم أتمن قط أن أكتب عن مبدعٍ من مبدعي
هذا الجيل- يقصد جيله من الشعراء الجُدد- كما تمنيتُ أن أكتب عن صلاح عجينـة..ليس
لأضع هذا المبدع تحت وصايتي وإنما لأهميـة ما يكتب وقدرته على الجذب .. وهي تجربة
تجنح بشكل لافت إلى التجريب وتختزل كامل موتيفات الدهشة كفعل انطلاق. وأنا لا اكتب
على سبيل أسبقيتي وهي عادة ينتهجها البعض]. ثم يُضيف الفيتوري
قائلا:
[
فقد وُلدت الكلمـة من بين أصابعنا وحملناها و حملنا همومنا ووضعناها
هدفنا الثقافي الأول الذي لا بديل عنه.. ولا رجعة فيه.وعندما كُنّا
نلعب بالكلمة بدأنا نلاحظ أن ما نكتب ليس بلعبٍ وإن هذا الذي نُسميه لعبا من خصاله
الأولى التفوق ولنقل على أقرانه كي لا نزيد الهوة اتساعا.].
ثم
وفي متن الكلمة يُعلق قليلا على هذه المجموعة فيقول:[كلام البرق ] نصوص لا يمكن بأي
حال من الأحوال أن تكون شعرية.. على الرغم من غزارة الصورة والتكثيف الذي تحويه
سياقاتها.. فالمسألة ليست الشعرية من عدمها.. ولكن في الإبداع الذي يأخذ هيئة نص
أدبي يُقدم طرحا بمدلولات فيه الكثير من الجرأة وعدم الاكتراث بالآخر..بمعزل عن
الآخر..وهذه معادلة استفزازية مصوبة تجاه المتلقي ومن ذلك النمطية العصيّة المتبدلة
على الدوام وصراعها مع الثابت..].
وفي
هذه الكلمة الكثير مما هو حقيقة..كما فيها الكثير من الخلط..ومما هو قابل
للنقاش..مثل قضية [المسألة ليست الشعرية من عدمها..] فما هي القضية إذا لم تكن
الشعرية.. وما هو الإبداع إذا لم يكن الشعر في صلبه.
ثم
يقول في ختام كلمته [إن هذه المجموعة الأولى هي عبارة عن توقيعات معرفية تقودها
التجربة وهي خارجة عن سياقات التجنيس الأدبي..فلا شعر تُنسب إليه.. ولا قصة
تحتمي بها لكن التماس الحس النقدي غير متعذر على أحد..] .ونختار من بين برقيات هذه
المجموعة علي سبيل محاولة اكتشاف مدى صحة ما قاله صابر الفيتوري في مقدمته للشاعر
صلاح عجينـة..حيث يقول في نص بعنوان قضايا:
- [
يروق لي أن أستفهم أين الوزن ؟
../إنه هنا في هذه العقيـدة
../هنا في قصيدة الشاب خالد
../
هنا في قصيدة النثـر].
- [لأن
البحر يُحيط بي
لذا
أكتب عن البحر السابع عشر
البحر الميت].
ثم
يقول في نص بعنوان أحاديث إن:
-[ إن في الحجر خرزا
طفق ينادي تلافيفا من
عشب الجدران].
- [إن
أرضنا ممراح باذخة بعسلوجها
وبشعرها
الخداري..
مرصوصة
بالمسير].
-[
إني أرضب ريقها
أجتذب روانف
أكمامها
إني رئدها
الناضر].
وعلى
كل حال..فقد اشتملت المجموعة في نصفها الأول على قصائد برقية قصيرة..فيها بالفعل
الكثير من التجريب..كما قال كاتب التقديم لصديقه..ولكن كأن هذا التجريب لم يكن على
الشكل أو الإيقاع أو الصورة الشعرية..بقدر ما كان على المفردة نفسها..وربما على
حساب المعنى..أما النصف الثاني..فلقد أشتمل على بعض القصائد ذات النفس
الطويل..والتي فيها بوادر بعض إيقاعات شعرية حقيقية في كثير من مقاطعها..ومن بينها
على سبيل المثال لا الحصر [أنفاس السرد] التي يقول فيها:
-[
الآن يجاهر الخراب الساكن هناك بزفرة
عالقة أعوادها في شهوة
التاريخ
الآن فاعل الرضاب تقرّح
بعرق خمرة التثاؤب ].
وفي
قصيدة بعنوان [دفقات] يقول عجينـة:
-[ يوم مشهود شُنقت
قصائد
في مراسم
التأبين
جاء النثر سعيد
الكتفين.
لمّا حدّق في
الحجر
أدرك بشاعة
الطقس].
وفي
الختام نتمنى للشاعر الشاب صلاح عجينـة المزيد من القصائد الناضجة..ومن التجارب
الموفقة على صعيد قصيدة النثر..لكنه سيكتشف في النهاية..كما اكتشف غيره
كثيرون..وربما متأخرين قليلا..بأنه لا مناص للشعر من الإيقاع ومن موسيقى..حتى لو
على صعيد تناسق التركيب وانسجام المعنى..بغض النظر عن الوزن
والقافية.
العرب العالمية-[18/3/2003].
*شاعر وكاتب فلسطيني مُقيم بليبيا.