الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
عناقيد قيد الاشتهاء
أبو القاسم المزداوي
 
ليبيا ليست مجرد اسمٍ مكوّنٍ من خمسة أحرف يعني بلدا من بلدان هذا العالم كما يعتقد البعض, بل يعني أكثر بكثير من هذا المعنى المحدود في كلمة قد تمر مرور الكرام عند آخرين غير الشعراء والعشاق والمجانين بحب هذا البلد, والضاربين عروقهم في أعماق ترابها, والمستنشقين لهوائها, والهائمين في مدنها وترابها وفيافيها, والمأخوذين بسحرها, والمسحورين بروعتها, والمنقادين وراء فتنتها, والدائرين في فلكها, والمتمتمين باسمها, والمرتوين بعذوبة مائها.
ليبيا هي طلاسم السحر التي نتمنى جميعنا أن لا تنفكَّ, بل هي التميمة التي تحفظنا من البعد عنها, هي مرود العين لعروس ترتب نفسها لملاقاة عريسها, وهي أغنيةٌ طرابلسية تصدح رقراقةً وقت الأصيل, كما أنها طبل زلاوي ينقر نفحاته على صفحة القلب في مساءات الصيف العليلة. ليبيا قصيدة شعر استعصت على فحولة الشعراء, وهي الفاتنة التي تقاتل الفرسان في سبيل الظّفر بنظرةٍ من عينيها الساحرتين.
ليبيا التي دوّخت الجبابرة والقراصنة على مدى عمرها الغضّ, والتي تفتك بضحاياها, وتأخذ بألباب شعرائها, والذين هاموا على وجوههم بحثا عما يرضيها.
الشاعر صلاح عجينـة ليس بأول ولا آخر الشعراء الذين وقعوا في حب ليبيا, ورغم جلال الخطوب فقد دخل في هذا المعترك, وأعلن عن نفسه كعاشق لهذا الاسم, وجاءت قصائده مهرا لعيني ليبيا, فكان نصه [ قصائد ليبية] النص الافتتاحي لمجموعته [قريبا من ناصية البئر والتحوّل], يقول فيه:
متمردا
أرقب عريّك في رياح الأمس
إلى............
ويصرخ عنك لا أحيد
التمرد هنا لا يحمل معنى الرفض وإعلان العصيان بالنظر لما سيأتي بعد هذا الكلام في المقطع الموالي, حيث العودة إلى الوراء تاريخا, وهو ما اعتبره الشاعر خروجا عن المألوف, ورفضا للنواميس والأعراف إلى حيث النشأة الأولى عندما كانت الآلهة من اختيار الإنسان الذي له حق اختيار الرب أو الربة التي يريد بعد أن تعددت الآلهة, وأصبحت حسب الرغبة والميول, ربة للجمال, ربة للحب, ربة للشمس, ربة للريح وهكذا, وهو ما يؤكد استعداد الشاعر لتقديم ما يضمن رضا ليبيا عنه حتى ولو اتّهم بأبشع التهم.. ثم يعود الشاعر صلاح عجينـة ليذكّر متلقيه بأن لا يذهب بعيدا في ظنه, إذ لا يتعدى الأمر حبه الجارف لمعبودته عبر كل العصور والأزمان حيث سيظل الاخضرار يانعا منذ ارتفاع الآذان مبشّرا بميلادها الجديد بعد ظهور الإسلام.
ثم ينتقل الشاعر إلى ساحة الصراع الذي خاضته ليبيا عبر تاريخها المعاصر ضد سفن القراصنة والغزاة, وكيف وقفت صلبةً عنيدةً, عتادها حب أبنائها وعشقهم اللامحدود لها الذي كان صخرةً تكسرت على جوانبها أحلام الغزاة الطغاة..
يقول:
تتخلق لغة الميلاد
إلى...............
غير أن الوقت ثدياه لم يدرّا الحروف بعد
وحيث أن للمكان دوره الخطر والمهم في تحديد ماهية العلاقة بين مراحل تاريخية وشخصيات متعددة قد تفصل بينهم سنون, بل وربما قرونٌ طويلة, وهنا نلاحظ أن الشاعر قد رسم بانوراما محفّزة لما يدور ويحاك ضد ليبيا عبر العصور والأزمنة, فها هو ينتقل إلى الداخل وهي أمكنةٌ آمنةٌ قارةٌ تمارس طقوسها بكل هدوءٍ وطمأنينة, لكنّ الشاعر العاشق المسكون بالوساوس تتقاذفه الظنون والشكوك, ويظل مستنفرا لا يطمئن لشيءٍ, وهي حالة الشعراء في العادة.
ورغم الحزن الذي يلازمه, وهو يطوف قرى الشوق إلا أن العلاقة بالمكان تظلّ مرهونةً بالماضي المشرق لها, ذلك حينما كانت تيبستي مركز إشعاع وحضارة, بينما تمثل سفن الرقيق وقوافل العبيد جشع وطمع الغزاة المستعمرين.
في المقطع:
ماركوس
إلى...........
أو أتلفيه كيف تشائين.
يرصد الشاعر من خلاله ما كان يجري في مدينة طرابلس, هذه المدينة الساحرة التي ظلّت شاهدة على حوادث وخيانات وخيبات الكثير من الشعراء والعاشقين.
النص الثاني بالمجموعة المشار إليها يتعرض فيه لذات الموضوع, و عنوانه[أجندة ليبية] يقول في مقطعه الأول:
نوقٌ
متلحفة بالفتح
إلى.............
افترشت الأرض بهوها الباهت
لسادة ظلمات.
وكأني عند هذا أسمع قرقعة السيوف وصهيل الجياد, وعمرو بن العاص يكبّر, وهو يفتح هذه البلاد العصيّة فرحا بالظفر بها, بعد أن راوغته طويلا وأغوته حتى كاد يتخلّى عن فتحها, إكراما لعينيها الساحرتين, وهي التي كانت زاخرة بما يفد عليها من الشرق والغرب وجنوب الصحراء عبر تجارة القوافل التي كانت تربطها ببلدان شرق وغرب ووسط أفريقيا.
أما في المقطع الثاني يقول:
قرصان
في ظلمات البحر
إلى..............
صواعق من عقائد الرعب.
فإن الشاعر صلاح عجينة ينقلنا إلى ما كان قبل فترة الصراع الذي بدأه بقدوم فرسان القديس يوحنا ثم هزيمة البحرية الأمريكية التي كُلّلتْ بحرق سفينة [فيلادلفيا], ثم العهد العثماني الأول والثاني وما عاناه الشعب من قهر وظلم على يد الكثير من الباشوات الذين وضعهم الباب العالي سيفا مسلطا على رقاب الكادحين.
في المقطع الثالث من هذا النص الذي يقول فيه مما يقول:
جندرمة
ليبيٌ في مخبأ الجبل يناكف موته
إلى.................
إنه يجلو في أعصاب الوقت
ألّهه ضجيج كسله.
وهنا ينتقل الشاعر إلى مرحلة الاستعمار الإيطالي الفاشستي, وكيف أصبح كلُّ ليبي حتفا يتربص للغزاة في كل الفيافي القفار والجبال والمدن والسواحل, وكيف تحولت الأمكنة الساكنة إلى موتٍ منتظرٍ لهؤلاء الهمج الذين كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم بأنهم جاءوا في نزهة سرعان ما تنقضي.
النص الأخير الذي أقف عنده من هذه المجموعة معنون بـ[غناء], والذي يتساءل خلاله:
فلمن تغني أقلبا؟
لحانوت الخرافات
إلى.................
ألم يأن لك أن تترك الغناء
وترحل.
السؤال بهذا الشكل لا يعني الغناء, وقد سبق وأن طُرح في عدّة مناسبات بطرقٍ مختلفة, وهو ما يعني الحيرة والارتباك الذي يلجم الشاعر ويمنعه من الكلام.
حتى أن مجالس اللهو وأماكن الحديث والصحف والمجلات, وهي مصادر الأخبار والمعارف قد تقف عاجزة عن الإجابة عن هذا السؤال المحيّر في ظل القلق الذي يدل على السُّهد والسَّهر واختلاف الآراء وضياع الحقيقة وسط هذا الصخب والفوضى, بينما الكل يدّعي أنه على حقٍ وغيره على باطل.
وتظل الأسئلة تتوالد في نفس الشاعر الذي تزداد حيرته ويزداد ارتباكه أمام هذا الكمّ من التناقضات التي لا تُفضي إلا للمزيد من الأسئلة والحيْرة.
وأختم بالعودة للمقطع الأخير من نص [ أجندة ليبية] الذي يقول فيه:
ليبيّ
كلماته يذروها في الهواء
عارية كالماء
إلى...........
إنه يجلو في أعصاب الوقت
ألّهه ضجيج كسله.
إن الشاعر هنا يتحدث عن نفسه, فهو الليبيُّ الذي يتصرف على الفطرة عراء كلمة الحق ,وبراءة الطفولة, ونقاء الماء وصفائه, يتكلم عن وطنه وأصله وجذوره بكل فخرٍ واعتزازٍ مستعينا بسلاسة الصخر وأمن المكان وطمأنينته.
كما لم ينس الشاعر بعض العادات الاجتماعية الجميلة التي تميّز الليبيين عن غيرهم من المجتمعات الأخرى, والتي تزيد من ألفتهم وتوادّهم وتراحمهم وحبّهم الشديد لأرضهم واستعدادهم للذّود عنها بكل غالٍ ونفيسٍ بعد أن دفع أجدادهم الدّم والروح فداءً للوطن.