الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
حاشية علـى ناصيـــة البئــر والتحول
عن ديوان [ قريبا من ناصيّة البئر والتحول ] للشاعر صلاح عجينـة                                                                                                                                                                                             بقلم:حليمة الصادق*
 
رائعة سيمفونية الحرف..حينما ترتدي الكلمة معطفها وتخرج للمطر لتغني..وتراقص نبضنا.
ملامسة..معانقة..مؤانسة..شئ ما يتسلل دون هُوية ليستكين ويثير غبار التساؤل.
عين غفت على أول حرف لتدخل كونا فوق الاحتمال وتستيقظ على حرف آخر..يفتح الشرفات لرؤية ما ورائية. لغة ونبؤة ..عطر يفوح..وجدل ينير القصائد..غناء وليل بارد ونهارات باهتة..وبئر مجنونة..أضداد..وإيلاف..اتهام وقيد.
[لألف مهدي تجانبه الحقيقة ]
[ فقيرا تتغشاه القناديل]
[بيادر حالمة..أبخرة الحلم وحصائر الشفق]
لقد تعدد المهدي وصارت الحقيقة فاعلا سلبيا.
[ أبخرة الحلم]
الحلم البحر..أو ربما الحلم الكارثة..فالأبخرة ضدان..أبخرة ملولة تشدّنا إليها..وتجذبنا وتبشرنا..وأبخرة سامة تلوث الذات والكون.
[حصائر الشفق]
الشفق الذي اعتدناه في كل مطلع شمس وغروبها..دائما بترك لونا فنيا..ربما يكون شعورا بالأتي مع لون الشفق تُفرش الحُصر أو الحصائر واستخدام هذا المصطلح [حصائر] قديم ومتجدد حيث أضاف رؤية جديدة وصورة جميلة..كثيرا ما تُفرش الحصائر في المساجد والزوايا..والبيوت العربية القديمة ولكن الصورة الجمالية هي اللون..لون الشفق ولون الحصائر..حيث تداخلت الألوان وصار الشوق حصائر مفروشة لقادم منتظر ربما هو أكثر من مهدي مطعون.
[ عاشق يقرع باسمك أيها الجلل ]
ماذا غير العشق..عاشق يقرع أبوابه المسدودة..يقرع طبل الذاكرة..مع نبضات قلبه.. فالعشق مسحراتي يوقظنا كي نتأهب ليوم جديد ونتزود بالعزيمة للصمود في وجه الشقاء.
[شواظا يلج الغياب]
تداخلت الأشياء..شواظ..شرر..نار..نور..وفي الجانب الآخر[غياب] هذا الغير محسوس وغير مرئي..تبدأ المغامرة..دخول في العتم محاولة للتنبؤ بالأتي.
[ أشهد أن الغناء..متاهة جليلة]
حتى الغناء صار في زمننا متاهة صار في زمننا متاهة عظيمة..لكنها غير مربحة [متاهة] توحي بالحزن رغم الغناء..بالحيرة..بالضياع..أو ربما أحجية لا يمكن حلها.
[أليس السأم نافذتين للعشق]
أسلوب استفهامي يرّيح الشاعر عن نفسه..ويضع مبررا للسأم الذي اعتراه..فيتحول السأم إلى شئ جميل[نافذتين] وهنا نتسآل..لماذا [نافذتين] فقط..أهما عينا الشاعر من خلالهما يشعر بالإنشاء ويمارس طقوس عشقه؟!.
[ما أدراك أنني سرمد]
استفهام آخر هو بمثابة تمهيد للانتقال من نقطة سوداء مدلهمة إلى بؤرة ضياء..والقضية الأساسية هنا هي تحول الإنسان  إلى سرمد عالم دائم العتمة..رؤية فيها سوداوية للأشياء وانعكاساتها..إنها قمة الإحباط واليأس ولكن سرعان ما نُفاجأ باستفهام آخر يوحي بالفجر وبمطلع أمل.
[ أليس قطر الندى للصخر عشقا]
ربما الشاعر يعني بذلك العشق من زاوية واحدة يقابله النفور.ولكنني أرى أن ثمة علاقة حميمية تجمع الشاعر مع الضجر..فبدلا أن يكون الندى على الورد نجده هنا قد كوّن هذه العلاقة الحميمية..فقد منح كل من الضجر والندى صفة الحياة..وصارا عاشقين.علاقة ربما تنعدم أحيانا بين البشر..فنعثر عليها بكل شفافية حولنا.
[لكنه ليل التراب]
استدرك الأمر وعاد ليمارس طقوس الحزن والألم والقسوة والعذاب..ليل ..تراب..أظافر..نحت عذاب..
النحت هنا لم يكن للجمال..بل للعذاب..والزوبعة التي لم نترك خلفها سوى الرماد رغم ما تحمله من بُشرى بالمطر.
وهكذا تستمر الأضداد باستمرار الحياة والنفس البشرية ضدان.فالإنسان دائما في صراع مع ذاته ومع من حوله..ويظل هناك دائما سرّا مخبؤا رغم كل المرايا التي تكشف ملامحنا..ويظل  [ قريبا من ناصيّة البئر والتحول].
غناءٌ..بأرضي هطل فاهتزت وربت..شدّت قيدنا جلّ القصائد..بوح أسر المشاعر..ونبض الحروف اللاهثة صوب الضوء رغم كل المتاهات..رغم السأم..رغم الألم عند منعطف السؤال نقف لنلمح بيارق أمل وعشقا وصخرا يداعبه الندى رغم زوابع وتوابع الشقاء.
 
 
صحيفة العرب-5/3/2005
----------------------------------------------------------
* شاعرة من ليبيا - زلطن.