سطور
قريبة من ناصية البئر
بقلم / بن عيسى
الجزّار*
اعتدت ألاّ أنظر إلى كلام يسميه البعض شعرا, وهو خالٍ
من القوالب الشكلية المعروفة لأني بحكم الكلاسيكية الشكلية التي أجد نفسي فيها
دائما, وبحكم الأكاديمية التي تسيطر على دراستي أجد أنه من العيب أن أعترف بهذا
النوع من الإبداع المعروف بالحداثة..بل أراه إبداعا نثريا يحاول الكاتب من خلاله أن
يوصل أفكاره إلى القارئ من قالب يفتقد إلى أبسط أنواع النظام السائد في الشعر
العربي عبر العصور.
لكن
عندما قرأت كتاب [ قريبا من ناصية البئر والتحول] للأستاذ صلاح عجينـة شدني المضمون
والروح الراقصة التي تنتقل بين الكلمات فاخترت أن أقدم هذه الدراسة البسيطة عن هذا
الكتاب دون أن أخوض في الشكل لأني كما سبق لا أعترف بهذه الأشكال الغريبة عنا نحن
العرب, وآثرت الإبحار بين سطور عناوين الكتاب ومضمونات مقطوعاته.
وجدت
أن الكاتب له رؤية عميقة للتاريخ والجغرافيا, يجسدها بروحه العطشة لحب الذات,
ويحاول أن يبحث عن أية سلسلة تربط روحه بمن سبقه من المبدعين, ويحاول أيضا أن يصنع
له مكانا مرموقا بينهم, وبعبارة أوضح يحاول أن يؤسس لنفسه اسما علما في تاريخ
الإبداع.
وبعد
هذه المقدمة البسيطة سأحاول أن أقدم بعض الأبعاد التي تناولها الأستاذ عجينـة في
كتابه, وقبل الخوض في هذه الأبعاد يجب أن أذكر بالأسلوب الذي نهجه الكاتب في كتابه
وبعض أرائه النقدية.
اختار أسلوب التجريد في معظم مقطوعاته, فهو كأنه يخاطب
شخصا آخر, بينما في الواقع هو يخاطب نفسه, وهذا ما تجسد في مقطوعته [لماذا] لأنه
حاول أن يتعرض لنسبه عندما قال: يا سليل أحمد وأبو السباع, وقد ترجم لهذين العلمين
ما يؤكد أنه من سلالتهما ومن خلال هذه العبارة والترجمة نهتدي إلى أن يخاطب
نفسه.
آراؤه النقدية:
ضمّن
الكاتب عدّة آراء نقدية وجدتها ضمنا بين أسطر مقطعاته ففي مقطوعة [جدل الحواس] هاجم
الكاتب شعراء الوزن والقافية, واعتبرهم عبارة عن كائنات للسمع فقط عندما قال:
كائنات السمع أغانٍ.
واعتبر أصحاب [ الحداثة] أنهم كائنات للضوء عندما قال:
كائنات الضوء قصائد التي تضئ الدنيا, ويصل نورها إلى غياهب كل إنسان كي يعطيها بعض
الاشراقات الأملية.
وقصد
بكائنات السمع أصحاب الكلاسيكية عبارة عن أغانٍ غيرها دفة تسمع للرقص, وحسب أنها
تخاطب الجسد ولا تخاطب العقل والروح.
قد
أتفق معه في الرأي بالنسبة للكلاسيكيين الجدد, لكني أختلف معه تمام الاختلاف إذا
كان يقصد كل الكلاسيكيين, فمعظم كلاسيكي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لهم
قصائد مضيئة تمس الوجدان مباشرة أمثال أحمد شوقي وإبراهيم ناجي, فهذين شاعرين لهما
حضورا ذاتيا قلّ نظيره في الشعر العربي, ومن هنا لا أريد أن أطرح نماذج لهما, بل
أشير للأستاذ عجينـة في نصح أن يقرأ مجددا [ في ذكرى المولد ] لأحمد شوقي, وقصيدتي
[ العودة والغريب] لإبراهيم ناجي لعله يغير من نظرته هذه.
وللأستاذ عجينـة أيضا هجوما شرسا على الأكاديميين, حيث
اعتبرهم في مقطوعة [جدل التأسيس] أنهم عبارة عن وعاء من المعلومات يفرغ وقت الحاجة,
بينما اعتبر الممارس أو الموهوب صاحب قضية يدافع عنها, ويكسبه ذلك الدفاع خبرة
وثقافة تفوق الأكاديمي المحدود في نظره.. بقوله: الأكاديمي كتاب مسائل, منتمٍ..
الممارس سليل قضية..القضية ممارسة تخص الانسان.
أبعـــــــــاد الكتاب:
أولا: البعد الاجتماعي:
لكل
كاتب رؤية خاصة به عن الحالة الاجتماعية التي يعشها الشاعر نفسه أو ممن حوله, ولكن
طريقة التعبير عن هذه الرؤية تختلف من كاتب لآخر فـ صلاح عجينة على سبيل المثال في
كتابه هذا دائما يحاول أن يربط الحاجة بالمبدع, فهو يرى أن المبدع هو وحده الذي
يعاني لأن لا يعجبه شئ, ولا يقبل أن يعمل - أي المبدع- أي عمل كان للحصول على قوت
يومه, بل يجب أن يلفت الانتباه بطريقة ما كي يحصل على قوت يومه, وهذا ما وجدناه في
مقطوعة [فندق التاريخ] عندما حاول أن يربط اقتناء التذاكر بالحواة, والمعروف أن
الحواة جمع حاوي, وهو البهلوان الفنان الذي يلتقط قوت يومه من ألعاب شاذة وحكايات
لا أساس لها ولا تاريخ لها ومكان اقتناء التذاكر يعني أن الناس تتلهف لمشاهدة
الحاوي مقابل دفع بعض الدراهم.
وفي
مقطوعة هامش ربط الكاتب الحاجة والفقر بالطاعة والبصق لأن المحتاج دائما يقدم
الطاعة حتى لو بُصقّ عليه, وضمن مقطوعة [نافذة] يحاول عجينـة أن يوصل للقراء فكرة
أن الفنان الجاد المبدع دائما في وعكة مالية.
هذه
المنظورات الاجتماعية التي اخترت بعض النماذج منها تجعلني احترم هذا الكاتب كثيرا,
لأنه حاول توظيف ما يعانيه الفنان الهادف من حاجته الدائمة لمن يسمع نداءه ويفهم
إبداعاته ويبحر بين أمواجها.
وقل
الشعراء الكلاسيكيون الذين يحاولون توظيف مثل هذه القضايا في قصائدهم, بل تجدهم
مهتمون فقط بالحالات النفسية التي تصبهم جراء بعد الحبيب أو فقدان الوطن والأهل,
لكنهم لا يعزفون مطلقا على أوتار حساسة مثل ما عزف عليها صلاح عجينـة, وهذا يحسب
للحداثة ويحسب على الكلاسيكية من ناحية المضمون فقط.
ثانيا البعد الأسطوري:
ارتبط هذا البعد في [قريبا من ناصية البئر والتحول]
بجغرافية المكان وما حدث بها من أحداث تاريخية, حيث حاول الأستاذ عجينـة في مقطوعته
الأولى [ قصائد ليبية] أن يربط الأسطورة بجغرافية ليبيا الكبيرة وما حدث بتلك
الأماكن من شواهد تاريخية منها ما هو واقع ومنها ما هو أسطوري - وهذا
الارتباط, قلّ ما نجده عند معظم الكلاسيكيين1 الذين اعتدت قراءة مآثرهم
الشعرية.
وسأورد بعض النماذج من [ قصائد ليبية] لتكتمل
الفائدة..
-
النموذج الأول ذكر فيه قوس ماركوس, وماركوس شخصية تاريخية والقوس مكانه بطرابلس
الغرب وربط الشخصية والقوس بأسطورة الآلهة فينوس التي وعدته أن تقيه من حرّ
الشمس:
ماركوس
وعدته فينوس في جيوب الزمن
أن
تظلّه من حرّ الشمس
وتخبره سرّ العاشقين.
- النموذج
الثاني يذكّر فيه بميلاد لغة ليبيا التي باركها سيدي الشعاب الذي يعانق أمواج
المتوسط كلّ حين.
- النموذج
الثالث: ربط حلمه الذي يفاجئ منابر ليبيا بقلادة الامبرطور سبتموس, عندما تعكس أشعة
الشمس كل صباح.
هذه
النماذج وغيرها تجعلنا نهتدي إلى أن صلاح عجينـة يكتب بعينيه, ويحاول أن يُظهر ما
يجيش بداخله من حب لليبيا في كلمات بسيطة وعميقة في الوقت ذاته, بعنصرية وانحياز
ذكّرنا بعصبية كتّاب الأندلس الذين تظهر عصبيتهم لتلك البقاع الضائعة - أعادها الله
تعالى- في مآثرهم الأدبية ومقدمات كتبهم ومجامعهم أمثال ابن سيام في مقدمة كتابه [
الذخيرة] وابن حزم في [ طوق الحمامة] وغيرها.
ثالثا:البعد الروحي:
للكاتب ارتباط روحي وطين بينه وبين ليبيا حاضنته ومسقط
رأسه وجنة الأرض عنده, فبعد استبطان [قصائد ليبية] رأيت مدى العمق الروحي الذي
يتجسد في ارتباطه العميق بليبيا عندما يقول:
وأنت
اخضرار
في
شغافي يلوّح
آذنا
بميلادك في شراييني كالأبد.
وعندما قرأت مقطوعة [وثائق] زاد هذا الارتباط حتى وصل
أوجه عندما قال:
لا
وطن لي سوى بؤسك
أيتها البارقة في تخومي
كثيّبٍ زاهدة
أنجبت طفلا في الخفاء.....
وفي
مقطوعة [دون اكتراث] جسد بكلام مباشر غير غامض ما تحمله روحه المرحة الكئيبة
بمتناقض قلّ نظيره من حب لمدينته الزاوية الغربية, الجنة الصغيرة التي تنتمي إلى
الجنة الكبيرة [ليبيا] عندما يقول:
وتظل
عيناك
نافذة الحلم الآتي
ونظل
نهواك..
هذا
الارتباط الروحي عند الكاتب يمثل قضيته الأولى في منثوراته هذه, إذ أن لكل كاتب
قضية, وقضية صلاح عجينـة وطنه الكبير, ثم بلدته الصغيرة التي تستظل بنخيل ليبيا
الكبيرة.
كنت
أتمنى لو أن للكلاسيكيين الجدد مثل هذه الأبعاد التي ذكرت, ويبتعدون عن الوصف
والشطحات الشعرية التي تسحر السامع لحظة الإلقاء فقط, لكن لحظة القراءة يرى القارئ
أن وصف الكلاسيكيين وشطحاتهم عبارة عن كلام ركيك, وقد كثرنا في عصرنا هذا من هم
كلاسيكيون بالتبعية, ولم أجد واحدا منهم حاول أن يتلاعب بأرواح القراء ويمس قضاياهم
الحساسة كما مسها الأستاذ عجينـة..
فأنا
منذ نعومة أظافري, وأنا بعيد عن بلدتي الصغيرة, حتى ولم يستطع أحد من الكلاسيكيين -
الذين أنتمي إليهم- أن يصل إلى إحساسي المرير العميق الذي أتعايش معه منذ سنين إلا
هذا الكاتب المبدع, وإن كان يخلو من شكله الكلاسيكي, لكنه حسبه أن جعلني أتأثر
كثيرا بـ [قصائد ليبية ] حتى أني كتبت على منوالها بعنوان قصائد ازهانية2
مغربية.
وبعد:
فإني
قدمت هذه الدراسة نظرا لتأثري بمضمونات صلاح عجينـة التي جسدها في مقطوعاته النثرية
ضمن كتابه [قريبا من ناصية البئر والتحول] وإني حاولت أن أحيط بكل الأبعاد التي
تناولها, وانتهيت من خلال هذه الدراسة المكثفة أن صلاح عجينـة له روح مرحة راقصة
تتلاعب بالكلمات في سياق جميل متكامل وبأسلوب تجريدي بارع غير أن هذه المزايا قد
افتقدت للشكل الشعري المتعارف عليه, وليثه اعتمد على العروض الخليلي, فحينها سنكسب
شاعرا يمتاز بكلاسيكية الشكل وحداثة المضمون، وهذا ما نفتقده اليوم عند معظم
الشعراء الجدد, وأتمنى له مزيدا من العطاء ومزيدا من الرقص على هذه
المناولات..وحسبي أني قد حاولت ولا أدعي بمحاولتي هذه أني اخترعت.
الاثنين- 29/8/2005
صحيفة العرب اللندنية
* شاعر وناقد مغربي مقيم بليبيا وأستاذ الأدب
الأندلسي.
1-
أعني هنا بالكلاسيكيين الجدد المعاصرين من جيلي وجيل صلاح عجينـة, الذين يفتقدون
للحضور الذاتي في مآثرهم.
2-
ازهانة: بلدة كاتب الدراسة والتي ولد فيها.