الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
جهود تذكر فتشكر
                                                                                              أمين مازن      
بين منزلق الجهويّة الضيّقة, تلك التي كثيرا ما تقذف بكل من يقترفها نحو الإفلاس القاتل والعناد الذي [ لا يسمن ولا يغني من جوع], وبين حسن استثمار المنتج الأدبي المهمل بقصد أو بدونه, في تنمية التراكم الأشمل خيط رفيع, لا يستطيع القيام به سوى القلة التي تفلح في استشراف الآفاق الواسعة ومن ثم السلامة من مستنقع الجهوي وروحه الهدّامة التي تطال الأهداف الأكبر وتسئ للقضايا الأشمل, الأمر الذي لا مناص معه من أن يكتسب كل جهد أشمل إشعاعه الأقوى, فيما يكون مصير كل جهد محدود النظرة نحو عوالم النسيان.
صلاح عجينة أحد الشباب الذين يكابدون إنتاج النص الشعري الحديث بجدية وحماس ومثابرة, ضمن كوكبة من مجايليه الذين يشاركونه نفس الاهتمام عبر فضاءات الزاوية وصرمان وصبراته والطويبية, في كنف التعاون والحميمية والزهد غير المتكلف في الكثير من المزايا, يبدو من خلال ما قدم عن سابقيه من أمثال الشاعر عبد المجيد القمودي, والروائي محمد سالم عجينة متجاوزا الهويّة الجهويّة للنهوض بالنص نحو التراكم الإبداعي الوطني إذ في الإصدار الذي تولى مسؤوليته شخصيا هذه الأيام عن محمد سالم عجينه وقبله عن القمودي لم يشأ أن يحصر عمله في المنطقة, وإنما أصرّ على أن يشرك كل ما يمكنه أن يحصل المشروع وطنيا بكل ما في الكلمة من المعاني, بالرغم أنه لم يقابل بالاستجابة المتفقة مع عظيم صنيعه هذا ومع ذلك لم يتخذ من عمله مناسبة لإدانة غيره أو تكبير صورة صنيعه, بل حرص على أن يترك الأمر في إطاره, وفي حدود معطيات النص ومن قراءات اتصفت بالموضوعية والحذر من المجاملة على حساب الموضوع كما يحدد رضوان بوشويشة رأيه قبل ثلاثين سنة.
لقد جاءت رواية محمد علي سالم عجينة موضوع كتاب صلاح ممحو اهتمام المسهمين معه, ثمرة مسابقة جامعية استهدفت تنشيط هذا النوع من الإبداع الذي أخذ يستهوي المنصرفين والولعين به, وهي مسابقة نحت منحى مسابقة أخرى بادرت بها اللجنة العليا للفنون والآداب, حين أنشأها وترأسها بصفته الاعتبارية خليفة التليسي ومعه عدد من الأدباء المرموقين, وكان من ثمرتها أهم المجموعات القصصية والشعرية إلى جانب عمل روائي فاز به يومئذ محمد الشلماني, رأت لجنة التقييم أن تمنحه الجائزة الثانية, وقد تحقق لذلك النص الكثير من شروط النجاح ولم يكن ضمن اهتمامات الدراسات الأكاديمية التي تناولت أخيرا النص الروائي وقد رأى البعض أن حجب الجائزة يومئذ في غير محله, فيما كانت حجة آخرين أن المهم هو الاعتراف والاعتراف يتم من خلال منح الجائزة بقطع النظر عن الترتيب. ومن جميع الأحوال فإن رواية بلا نهاية لمحمد الشلماني التي فازت يومئذ وصدرت في كتاب تعتبر ضمن البدايات, فالمسابقة التي المشار إليها مفصلية في الحياة الأدبية وما أدت إليه من التأثير أمر غير خافٍ على أحد, خاصة وأن اشتراطات التقييم كانت قد نظمت على ما بلغته المدونة الأدبية العربية في مجال السرد, بمعنى أن فكرة البداية ومن ثم التغاضي عن النواقص, لم يكن من الأمور التي روعيت في التحكيم, ولا شك ذلك أن له الأمر القوي في وجود نص سردي وقف من البداية إلى جانب النظير العربي بجدارة وتنزه كامل عن الدونية والتدني.
تحمل الرواية نصا, وتؤكد الروايات التي يحملها الكتاب لمجموعة من الأسماء الممثلة لأكثر من جيل وأكثر من تيار, قدرا غير يسير من شروط الفن السردي, من حيث الموضوع التي تصدت له والمتمثل في رصد الفوارق بين مجتمع القرية وتجمع المدينة, إذا لا مكان في الأخيرة في التآلف والتعاون بين الناس.
وحيث الفردية في أضيق صورها, كما رصدتها بإحساس رقيق عين الروائي طبقا لانحيازه المطلق إلى مجتمع الواحة أو مدينة الأصغر, ذلك الواقع الذي خرج منه ذات يوم ليصطدم بعالم آخر لم يكن أمامه إلا أن يرى منه القشرة التي رآها أما عن المدينة وما تحفل به من الأشياء فكان أبعد من تلم بين رؤيته وتقف على تجربته, وما من أحد يمكن أن يلومه على ما كتب أو يطلب منه سواه.
لقد جاءت اللغة كما عبرت كل القراءات المصاحبة لغة أدبية, بمعنى أنها قامت عن التجويد كما يقول النقاد, وعدم الاستسلام للجملة العادية, وهذه إيجابية لا مجال من للتقليل منها, ذلك أن اللغة تمثل أهم الركائز إن لم نقل الشروط التي تميز الأدب عما سواه, بل إن الانشغال على أهمية لا يحقق شيئا ما لم يتوفر عنصر اللغة, وما دام محمد علي سالم عجينة لم يهمل الشرطين فلا شك أن قد أفلح في تحقيقه الكثير في مجال الإبداع الروائي, ولا شك أن المحيط الذي نشـأ فيه الكاتب قد أثّر في نصه هذا, إذ قدر لو له أن يتصل بما كان مطروحا في الحياة الأدبية من نصوص الرواية العربية لجاء تعبيره أكثر استفادة من المنجز السردي العظيم الذي قدمه يومئذ الرواد العرب, ورافقته المقالة النقدية, وهو ما كان ماثلا على ما يبدو, في مقال رضوان بوشويشة الذي كتب في ذلك الزمن ونشر, ولا شك أن وضعه ضمن مواد الكتاب يمثل مستويات القراءة, كما أنه من جانب آخر يشير إلى العين الراصدة التي ينطلق من خلالها صلاح عجينة في مشروعه الذي يستحق الكثير من الإشادة.