عشرُ
أفكار على الشجرة مقابل فكــرة في اليد
قراءة في ديوان قريبا من ناصية البئر والتحول لصلاح
عجينة
مدخل
[..في كثيرٍ من الأحيان
أحاول أن أصل في اللغة إلى صيغة أفترض أنها الأقدر على التوصيل.. وإنها الأجمل..
لست حريصا على جمالية اللغة كهيكل أو قيمة مستقلة..لكن أحاول أن أفرغها من جمالها
الذي يجب أن تتمتع به ]..عبد الرحمن منيف.
الكلام هنا.. وإن كان يتكلم على خصوصية اللغة عند
الروائي.. فإننا وبنظرة صغيرة نرى تطابق هذا الكلام على مختلف الأصناف الأدبية..
إنه يستهدف الوصول إلى لغة تقدر على إيصال الفكرة إلى الملتقى.. لأنها في رأيه هي
الأجمل.. من هذا المفتتح نحاول الغوص هنا في ديوان الشاعر الليبي [صلاح عجينـة ]
[قريبا من ناصية البئر والتحول ]
فالديوان لا يخلو من محاولة إلى لغة يراها الشاعر
مناسبة جدا لإيصال تجربته الشعرية.. وكذلك يراها على درجة من المغايرة و
الاختلاف.
بداية أحب أن أشير إلى نقطتين
مهمتين:
أولا: الشعر الليبي الحديث تخلى كثيرا عن غموضه و
ارتباكه في مقابل تجليه وسطوعه..الشعر الليبي الآن يتعامل مع اللغة بحذرٍ
شديد.
ثانيا: الشعراء الشباب لم يركنوا كثيرا إلى تجارب
الرواد السابقة.. ولهذا نجد تأثير التجربة الليبية على جيل الشباب ضئيل جدا..في
مقابل التجربة العربية بكل غناها قصيدة الشباب مسكونة بحيرتها..أيضا ممتلئة بارتباك
طافح تجاه كل شيء.. الارتباك هو عنصرها الأساسي.. فالدخول في أفق النص الشعري يظل
مخاطرة في حد ذاته.. فالقصيدة مسكونة بالقلق ابتداء من الفكرة التي تبدو غير واضحة
إلى اللغة التي يمارس الشاعر تجاهها كل أساليب
التجريب.
خصوصية ليبية:
نقرأ في ديوان قصيدة [قصائد ليبية ] لنرى بوضوح خصوصية هذه القصيدة التي جعلت
الشاعر يقدمها على أغلب القصائد: القصيدة.
1- القصيدة
تمارس خصوصية ليبية صميمة من خلال تعاملها مع رموز ليبية لها وضعها الاجتماعي
والجغرافي والتاريخي [سيدي الشعاب.. صخور تبتسي.. ماركوس.. سبتموس
].
2-
القصيدة تنهض على أقدام فكرة غير واضحة.. فهي تبدأ بخصوصية ذاتية صرفة.. وتتشعب إلى
شمول على درجة عالية من الغموض..لذلـك تركن أغلب قصائد الديوان إلى المغامرة
بالفكرة داخل إطار الألفاظ.. فهي هنا تشد على الشعر الليبي الحديث الذي يركن -كما
قلنا- لبساطته..لنقرأ معا:
[
انتزعيني من دمع الجداول
وأثلام الأرض القاحلة
وتفردي بي في محراب شهوتكِ
لأكتنه لذتك في صخور تبستي..].
[جاحظة عيناك حين تباع قافلة العبيد
وحين
تأتي السفن بالرقيق
جاحظة.. و يتمتم فمك بالنشيد
غير
أن الوقت ثدياه لم يدّرا الحروف بعد..].
يتضح
من هنا أن الفكرة الغير واضحة هي التي تلقى بظلالها على نصوص.. دون أن تتوقف عند
مؤشر صغير يقود إلى وضوح.. لا يشذ عن هذه القصائد إلا قصيدة[حالمان] التي تصوغ
تفاصيلها الذاتية الصغيرة..ويعطيها انسياب السرد وضوحا مناسبا:
[على
صراط الوجع
تحلمان.. تحتسيان القهوة
و
نادلة القهوة الوافدة
تبحث
في غربتكما في سؤال و توجس
لا
تنتبهان..
تُضحك
نهديها
لا
تنتبهان..
تجعل
أنوثتها قيامة..].
من
هنا تظهر جراءة استخدام اللغة في مقابل هذا الغموض الذي يلقي بحيرته على القصائد..
فالقصائد تنتفض على اللغة الشاعرية الرقيقة التي تستعمل عادة في أغلب القصائد..
لذلـك يواجهك قاموس شعري مغاير[دمامل..ضفادع..قمل..الجراد..برغوث..البصق..أذناب
....] كلُّ هذا يفقد القصيدة من بريقها.. ويقودها إلى ضبابية تُشكلُ خطرا على أغلب
قصائد الديوان..لذلـك عندما ننظر إلى أغلب النصوص التي كتبت بحرفية عالية.. نرى
الانفراج الذي يحدث في النصوص على مستوى الفكرة واللغة.. تحت هذا البند يضع[صلاح
عجينـة]مجموعة القصائد التي يسميها[كتاب الجدل]..اللغة هنا من البساطة في مختلف
النصوص مقارنةً بالقصائد الأخرى..فهي تركز على صياغة علائق جديدة بين الأشياء..أو
وضع تعاريف جديدة بين الأشياء..أو تركز على تفاعل الكلمات مع
بعضها:
[الحب رغبة
تحتجز قبضة الضوء .
الحلم رغبة الضوء
في
جدائل الفصول.
الحب
خيط ضوء
و
تراكم اللذة بالأفق ـ امتزاج ـ
الحلم يتأبط الحب
الحب
امتزاج
الحلم انصهار..].
هكذا
ينهض نص متشابك..يتولد من خلال تشابك لفظي وفكري..لذلك يغلب على هذه النوعية من
النصوص تفعيل دور الجملة الشعرية التي تشكل وحدة مستقلة..تحاول أن تعطي للقصيدة
بعدا فيه نوعُ من المغايرة.
اللغة الصوفية:
من
هنا يتضح دور الجدل الذي أطلقه الشاعر على مجوعة هذه القصائد..هذا الجدل الذي يُدلل
له الشاعر بكلام [ صلاح ستيتيه]:
[
كثيرون هم أبناء الأرض الذين يفكرون بأن اللغة الحقة لم تنشأ..وبأن اللغة لم
يتحدثها أحد بعد...]
من
هنا..[ فالتلقي حاسة الأذن والحقيقة مغامرة العين - الشعرية قانون النظر والغنائية
طموح الأذن -كائنات الضوء قصائد وكائنات السمع أغانٍ]
هنا
وبإضافة حرف العطف [واو] نرى كم هي مثقلة الجملة السابقة بحشو فالعلاقة بين الكلمات
ظلت بحساسيةٍ خاصة تمنح الجمل السابقة رابطا يغنيها عن حروف العطف أو أي زوائد
أخرى.
هنا
يتضح أسلوب مناسب جدا في الكتابة..بل يكاد يكون الأسلوب الأكثر وضوحا في ديوان
الشاعر..ألا وهو الاستفادة من الإرث اللغوي الصوفي في تحريك اللغة الشعرية - يتضح
ذلك في [كتاب الجدل ] بشكل خاص - :
[التقمص حالة يكتبها التاريخ
فضاء
الاختلاف في التاريخ
فوضي
في السياق
الفضاء تحرير المفردة بين " إلى "و " نحو ".].
هنا
يظهر المنجز اللغوي النغمي الذي استمده الشاعر من الكلام الصوفي واضحا..وتعامل معها
بأسلوب مقارب حتي على المستوى
الفكري.
كتاب
الجدل ديوان لوحده..يخلق الشاعر من خلاله جدلا بين الكلمات ويحاول أن يقرأ الحياة
بمغايرة مختلفة كليا [ شيمة المعنى عبث..المعنى دون إسناد عبثي..جمود.
].
الشكل في قصيدة النثر:
أمر
آخر يبرز بشكل واضح..هو تعامل الشاعر مع شكل قصيدته..فشكل الكتابة في قصيدة النثر
أمر يخص الشاعر وحده..فتنسيق القصيدة يختلف من شاعر إلى آخر.
نأخذ
هنا تقطيع الجمل في قصيدة النثر كإحدى الجزيئات المهمة التي يعتمد عليها الشاعر
لإيصال فكرته..كونها ترسم شكلا خاصا بكل شاعر [ وتقنية تقطيع الجمل هي أحد آليات
قصيدة النثر في خلق إيقاعها أو خلقها نوعا من التواتر.. فإيقاع قصيدة النثر ينتج عن
وحدات إيقاعية غير منتظمة وليس بينها أي علاقة..إنها تنتج إيقاعها من مجرد تواتر
الأسطر في شكل الجمل الموزعة..وما تحققه المفردات من تواتر..]1
إضافة إلى الكلام السابق الذي يتبنى تقطيع الجمل كجزء
من إنتاج الإيقاع في قصيدة النثر..فإننا هنا نتناول تقطيع الجمل كإحدى دلالات إكمال
المعنى في القصيدة..لذلك يظل الشكل الخاص بكل شاعر أمرا مهما في الكتابة..لنقرأ
معا:
[حالة تكافؤ بين جزيئات
اللغة والحياة
اللغة والشعرية
أسلوبان
الأول تعبيري
الثاني تفسيري
اللغة المحملة بأساليب قالب
الشعرية في التصوف
هامش
المتن انفعال الكينونة في كائن اللغة
التصوف في الشعرية
استدعاء.].
الشكل الوارد هنا..كما جاء في الديوان..شكلٌ يراه
الشاعر يُكملُ دلالة المعني..بل يساهمُ مساهمةً كبيرة في خلق رد فعل مناسب عند
القارئ.. لذلك فإن نهاية كل سطر تقود إلى بداية السطر الآخر..وهكذا تحقق القصيدة
نوعا من التكامل اللفظي.. ينتجه الشكل كإحدى الجزيئات المناسبة..فالكلام الوارد جاء
بتقطيع مناسب..إلا أن خلالها يظهر في إحدى الشطرات وهي [اللغة المحمّلة بأساليب
قالب ] فتنتج للوهلة الأولي معني غير المراد ولو كتبها الشاعر بهذا
الشكل:
اللغة المحملة بأساليب
قالب
تبعا
لشكل الجملة السابقة فإن المعني الذي أراده الشاعر سيظهر جليا من القراءة الأولى
..الذي يرتبك نوعا ما لو اتصلت الجملة مع بعضها في سطر واحد.
ختاما:
[
هنا يبدو واضحا أن اللغة مهزومة مع إيقاعها العصري.. ولم تشهد أي مغامرة أو خطاب
بالمستوى الذي ما من شأنه يمكن أن يقدم مدلولات وترميز يتماشى وضرورات الواقع
المعيشي واليومي]2..إذا القصيدة عند [ صلاح عجينـة ] مغامرة في جميع جزيئاتها..
وأيضا فيها مساحات واسعة من التعاطي مع الواقع بعيون مختلفة إلا أن مساحة التجريب
الواسعة التي يقترحها الشاعر في ديوانه تظل مسكونة ببذور ارتباكها وتظهر كجزء واضح
في أغلب تفاصيله.
هنا
نلمس أيضا جرأةٌ على مستوى تعامل الشاعر مع لغة القصيدة..فاللغة التي كتب
بها
الشاعر يراها الأقدر على إيصال فكرته..بل ويراها تصنع خصوصية مناسبة
لقصيدته. الشاعر يُهملُ الفكرة المتاحة التي
تقدمها القصيدة..بل يظل مسكون بأفكار قصائد أخرى دائما في حالة كتابة
القصيدة..الأمر الذي يُضعف أفكار قصائده بشكل عام.
الديوان يذكرني بدواوين رواد الحداثة الأوائل..حيث تم
التعاطي مع الصنف الجديد ببعض الارتباك سواءً على المستوى اللغة أو الأفكار..ويظل
أقرب إلي الشاعر [ شوقي أبي شقرا]..حيث القصيدة الغير براقة التي تحتوى على مغامرة
علي جميع المستويات.
الشاعر [ صلاح عجينـة ] في ديوان [ قريبا من ناصية
البئر والتحول ] يصرُ دائما أن يطارد عشرة أفكار على الشجرة ومهملا فكرةً مُتاحةً
في اليد.!!.
صحيفة العرب-3/11/2003.
" شاعر
وكاتب ليبي-البيضاء.
1-رامز النوصيري..[حدود الشعر..حدود القصة]..مجلة
المؤتمر-العدد السابع عشر.
2-مقالة [بطاقة تعارف تسعينية] للشاعر صلاح عجينـة-
صحيفة الشمس..العدد:.3184