الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
خلفية تخص قصص كامل المقهور
في مجموعته " يا سمي صبّي المي "
 
من كلاسيكيات الثقافة الليبية - ولابد لكل شيء من تقاليد حتى و إن كان خجلا - مفاهيم عدّة حققت رسوخا لكل متطلعٍ لسبر أغوارها أو حتى أسطحها إن صحت العبارة..هذه المفاهيم أو الرؤى ظلت تستمد حضورها كلما انتعش الحراك داخل هذه الثقافة و تأتي في مقدمة هذه الكلاسيكيات انطباعات تخص مشاريع عدد من الأدباء و الكتّاب و لاسيما مواقف بعض هؤلاء مع أسئلة الوطن القديمة و الجديدة..المحرجة و الهزليّة..و في هذا الخضم تبرز تلك العلاقة المدويّة التي كابدهــا القـاص الراحـل كامل المقهور مع حي الظهرة و طرابلس الغرب عموما.. تلك العلاقة التي كرّست ارتباط هذا الكاتب بدين المكان الذي خالجه في أعمق تفاصيله..و للمرء - إن كان موضوعيا - أن يتعاطى الحوار إلى أقصاه إزاء الموضوعات التي يتبناها للنقاش !..أقصد لابد و أن يُنشئ تفهما يلج من خلاله جوهرا و إن كان قد أفل في زمن ٍمبكر و إن كان..!..لابد من استشفاف ذلك أو حتى إستفافه إن كان مهيلا إلى النهاية !..
في مجموعته القصصية  " يا سمي صبّي المي " الصادرة عام 2000 و التي تُعد آخر مجموعة قصصية تصدر له في حياته .. سبعة قصص..كل قصة مهداة إلى أحد من أصدقاءه ممن عرفهم و عرفتهم حركة الثقافة في ليبيا بشكل أو بآخر..و القصص السبعة كُتبت ما بين عامي " 1998 - 2000 " بـ " جـــلاسكو و روما و طرابلس " و هي حتما - أي القصص - لا تعكس ثراء هذه الأمكنة بالقضايا الصعبة و الممارسات الإنسانية المعقدة و لم تشهد أي تقاطعٍ للسياسي بالثقافي أو أحدهما بالاجتماعي..لم تعكس قلق مغادرة القرن العشرين.. بل مارست الصمت على اليوميات الليبية في العقود الأخيرة..مختارة النبش في الذاكرة لتُخبر عن واقع اجتماعي متردٍ و رديء..قصص تُقيم بالا لثقافة " حولي حرير إنتي زقطاطا " .إلخ. . و صحن الجامع و قبر الولي و بالخيانات الزوجية في الدار القبلي وبالمرابط الذي يبيع بصاقه مقابل بيضة وإن تعذر ذلك فنظرة حادة دسمة لقاصدته مثل مح البيضة في مكوناته العضوية !..
لكن المقهور نهض بشيء يبدو جديرا بالاهتمام بالنسبة إلى تجربته مع فعل القص ..لقد أسقط المكان.. أسقطه دفعة واحدة..يبدو أنه قد امتلأ مللا من فكرة ظلت تتلبسه أو تنسبه بجاهزية إلى اغتنامه من المكان.. وأحيانا كانت - و العهدة على الراوي - مدعاة للتقليل من مكانته الأدبية من قبل خصومه الفكريين المستترين في الصحافة المقروءة و المبرّزين في الصحافة الشفوية.. إنهم يعرفون بعضهم !..
و هذا ليس عيبا..إنه جزء من وهم الكتابة و الحياة في آن ٍ.. والكتّاب ليس وحدهم يمارسون هذا..إن المتحدثين باسم الدين و الأخلاق أيضا و المصطلح عليهم بفئة الشيوخ و الخطباء و الصالحين حدث ويحدث بينهم مثل هذا و بأشكال مفزعة أحيانا..إنه صراع الفئة و لا تتريب في ذلك لأنه نوع من النشاط و التنافس في نهاية المطاف..
لقد أمر أحد المرابطين و بصحبته سيدي عبد الجليل البحر و هما مستلقيان على الشاطئ الرملي لجنزور بقوله.. أيها البحر أخرج لنا و للتو سمكا كي نتخذه غداء.. وتم ذلك و على خير ما يرام.. لكن ذلك لم يكن كافيا !..و انتصر في نهاية المطاف سيدي عبد الجليل بالمنطقة التي لازالت تعرف باسمه إلى اليوم لقاء أمره للبحر و المستوجب أن يكون السمك مشويا و رغم أن بعض المراقبين التاريخيين أكدوا أن السمك كان مطبوخا.. إلا أن السمك كان مُعدّا للأكل و هذه ميزة لم تتحقق للأول على أية حال..
أما سيدي عبد السلام الأسمر استطاع ردع المنكرين عليه ولايته بأن ضيّفهم على وجبة غداء بلحم الديك و أخطرهم بعدم كسر العظام أثناء الأكل و إثر ذلك جُمّعت له العظام في قطعة قماش و مسح عليها.. فنهض الديك لتوّه يمشي معاقا..إذ أن أحد المنكرين عليه كسر عظمة الرجل أثناء الغداء.. لكن الديك نهض من موته و هذا أمر يُعد جيدا في الظروف الاعتيادية.. لكنه لم يمنح الأسمر مساحة أكبر من سيدي محمد حركات "أبوعجيلة " الذي فعل بالضبط مثله..غير أن وليمته كانت عجلا بحاله !.. لذا ظفر بمنطقة العجيلات بأسرها !..إنها سياسة المعركة داخل الفئة الواحدة و لو أسهبت لما زرت الكفرة عشرة مرات دون أن أكمل !..
لا بأس إذن من القول أن كامل المقهور قد اكتوى في بداياته بشواظ التأسيس الفني للقصة القصيرة متجاوزا أسماء غرقت في طشيش الماء دون أن تنال جرعة متماسكة وهذه نقطة مسجلة في رصيده على الدوام.
في مجموعته " يا سمي صبّي المي " قصتان تؤلفان لوحدهما مجموعة منفصلة عــــن بقية القصص و هما " صخرة المصير " و " يا سمي صبّي المي " ..فأحداث القصة الأولى تدور في اسكتلنده..أما الثانية في باريس و كلاهما متسمتان برقي معرفي و لغوي في التناول..غير أنهما تكشفان عن طريقة شابة..لا أعلم على وجه الضبط..إنهما تبدوان قد حظيتا باحتفاء ما عند الكاتب و في كليهما تحقق للمكان وجودٌ ما..ففي قصة " صخرة المصير " ينطلق هاملتون - بطل القصة - الذي هو محامٍ اسكتلندي
إلى البرلمان الإنجليزي ليحاكم كمتهم و يتخذ القاص من الرمز أسلوبا للمعالجة..أما في القصة الثانية فإن الفضاء الذي احتضن الحدث هو " مقاهي.. اللوكسمبرج - سان جرمان - إلدي ماجو - نهر السين -   وشوارع..سيولوبرانس - سان ميشيل - الريف جوش - سان دينس "  .. إنها باريس عاصمة النور..  والأمكنة الواردة في القصة لم تعبر عن نفسها جيدا..إنها عواصم مظلمة في القصة..لقد جادت بها لغة السرد المعتمدة على الإشارة و العرض فقط..أما بقية القصص فأجواؤها تبدو ليبية و للبعض رائحة طرابلس العابقة..غير أن السرد لم يضم إليه أمكنة معروفة و لا خيالية فيما عدا ظهورا عارضا في قصة "الزمزامات " حينما ظهرت شوارع " الباز و سيدي عمران و الكندي "كبيئات ترمز لممارسة البغاء المصرّح به..أجل اختفى المكان لكن بعض أشياءه ظلت حاضرة في القصص كوصفه للمقابر و المساجد وغيرها و هذه الملحقات تعطي إيحاء بالزمان و المكان معا..
فالكتابة بالمكان لا تعدو شيئا يشكل التخلي عنه خطرا على القص..لكنه أداة مهمة تريح القارئ..إذ تجعله يستغني من خلالها عن عملية التخيّل المعقدة..فهي تمنح فرصة إضافية للقاص يمكن استثمارها في شطب أسطر الوصف و النثر اللاطم لخد القارئ و أحيانا قد يصف قاصٌ ما أمكنة من مخيلته..لكن وصفه يكون مبتسرا أو متناقضا و دون أن ينتبه يربك قارئه..ذلك يحدث أحيانا مع كتّاب مهمين إضافة إلى المبتدئين و ذوي العظام الغضّة في هذا المجال..فاستثمار المكان في السرد القصصي كالكبريت للمدخن لا يحتاج أن يستعير لهبا متى طاب له أن ينفث تبغا..أليس كذلك !؟..أنا اعتقد ذلك..
المضمون القصصي:
كثيرون هم الذين ينطلقون صوب النص الإبداعي و الحكم عليه من منطلقات المضمون الذي يكرّسه الكاتب و يختلف إزاءه وفقا للاختلاف الأيدلوجي أو المذهبي أو الأخلاقي..يبرز ذلك التناقض في توصيف النص و الحكم عليه و تبلغ أحيانا حد محاكمة الكاتب إذا تجاوز خطوطا محظورة..إن ذلك نوع من العبث القذر و المخيف..نوع من التواطؤ الأخلاقي الذي تمارسه النخب المثقفة لتصفية حساباتها في ساحات الفن و على حساب الفن.. ذلك أمر سيئ فالذي يمكن الوقوف عنده مع الكاتب هو سؤال الفن الذي من خلاله قدم مشروعه الحضاري..فسؤال الفن - مثلا - يمكن نقاشه من خلال مقاربات ومعاينات نقدية و ليس عن طريق نظرية أخلاقية..أيا كانت !..و إن كانت تمس الدين..فالإلحاد أو الكفر أو الإنكار - ذاته - مثلا يحتاج إلى فن ليعبّر عن نفسه..فالفن لا ينبع إلا من الإيمان بقدر ما..أين كان هذا الإيمان..فمادام ثمة إيمان ما ينبغي احترامه إلى النهاية..
و المضمون القصصي في المجموعة القصصية " يا سمي صبّي المي " كرّس لقضية لم تتجاوز المثلث المحرم " الدين و الجنس و السياسية "..وبما أن التعامل مع الجنس أخف وطأة..لذا ظلّ مقصدا لحشد كبير من الكتّاب في العالم و لا سيما عالمنا العربي الذي يُعد مقبرة محفوفة بالمقابر للسياسي و الديني كتطلع ٍ..أما المقهور القاص فقد نذر قصصه في هذه المجموعة و غيرها لسؤال الجنس كمنطلق إبداعي لعلاج مراميه المختلفة و لجوءه إليه - كما يبدو - لجوء الشيخ للعكاز و هو حتما لم يكن مرّوجا لأسطر ماجنة في ليبيا ذات الكتاب و المجلة الأسوأ انتشارا..لقد انطلق من وعيه بأن مأساة الليبيين - في واقع الأمر - هي الجنس وما يتشابك معه من عواطف إنسانية..إذ أن الليبيين وُجدوا في بيئة شبه صحراوية لا تختلف فبها اجتماعيا الكفرة عن مصراته و الجبل الغربي الجاف عن أكاكوس و الأتراك العثمانيون قد دجّنوا نظرية " الحرملك و السلملك " المعقدة حتى الرمق الأخير و الطقس حار و الكساد و التلفاز منذ
عقود يُظهر لليبيين إخوانهم العرب في بيروت و طنجة و الإسكندرية و سوسة في صورة تختلف عنهم وهم يحملون توقا ضامرا ليكونوا عربا مثل أشقائهم ..
لقد ظلّ هذا التوق حيز النظرية المتفق عليها نظريا و لا أحد يناور بالتضحية بخطوتين صامدتين..أما الدين و السياسة فهما أمران ثانويان بالنسبة للجنس..فالليبيون مثلا يقعون داخل عشائرهم و ليس داخل مصالحهم العامة المرتبطة بالدولة و الدين وقع في منطقة اتفاق حوله..فعلى من يزايد المرء بالإسلام المالكي في ليبيا ؟!..ووفق هذه الرؤية تبدو المكابرة عن مثل هذه الحقائق نوع من الغباء المزيّف ينبغي للمرء إن كان ذو أهليّة ليبية أن يهشها من رأسه إلى أقصى الصحراء ومن هنا ظلّت الأقاويل و الشائعات و حتى النكت التي تدور في فلك الجنس و انشغالاته تشكّل المساحة الأكبر من حياة و مزاج الناس في ليبيا..لذا تبدو ملامسة المقهور لها عبر إلتقاطاته اليومية ملامسة كاشف الداء و ليس حرقان المتورط أو اعتمالات نفسية ماجنة و مريضة وهو لا يصف كيف تم الفعل بل يناقش أسبابه و عواقبه و انزياحه لهذا التوجه كان بغية تعرية الواقع الاجتماعي و ذلك بطرح الجنس على مائدته الإنسانية و بصيغته الليبية عبر
قصة تشهد أن الكتابة قدر التضحيات فمحامٍ و أديب بحجم المقهور لا يفوته مثل هذا الوعي .
و لننظر بإيجاز صورا من ذلك في بعض قصصه:
* قصة " محبوبه ":
تدور فكرتها حول فتاة اسمها " محبوبه ".. شابة جميلة في علاقة عشق مع " الفرجاني " حتى بلغ بهما الأمر بالتناجي عند حافة الصحراء - هكذا - وغدا ذلك أمر أنكره الناس..إلخ..و ينتهي السرد بموت " الفرجاني " وحجب " محبوبه " إثر جنونها.
* قصة " موت سعد البكوش ":
تدور فكرتها أن رجلا أبكما عاش في مقطع الحجر - جزء من مدينة طرابلس - وسط بيوتات أهلها تنتشر بينهم المساوئ الأخلاقية و " سعد " هذا تسخره النسوة لقضاء حوائجهن كما يفعل ذلك مع رجال المنطقة مما جعله يضطلع بأسرارهن و أسرارهم و يروي مشاهداته فيما بعد للشيخ " بوبكر " إمام الجامع في الفترة الفاصلة ما بين صلاتي العصر و المغرب.." فمغليه" زوجة "موسى" مثلا تمارس الجنس مع " المقطوف السوكني " في الدار القبلية و هو المتزوج أيضا..أما "عواشة" زوجة "خليفة " فهي دائما ما ترتدي رداء على اللحم..و "حمزة " يترك زوجته ويتلمس الأطفال في مناطق محظورة..الخ..و بدوره ينقل الشيخ "بوبكر" أشياء من ذلك لزوجته "لطفيّه" و تتعجب زوجته من إحاطة زوجها بأخبار النساء و أحوالهن الخاصّة..جاء في النص: " و لطفيّه تفاجأ كلما حدّثها الشيخ عن أحوال النساء .. و صغارهن و أزواجهن.. بل أنه تجرأ مرات يصف أشياء منهن..تخفى عن الرجال..وصلت حتى موطن الكي..و وحمة الولد..بل أن بعضا منها يتعلق بملابسهن..حتى ما بطن منها و ما خفي !.. " ..ص 53.. وعندما يُقتل هذا "البكوش" يسارع في دفنه الجميع كاتفاق ضمني..إذ غدا أمره مكشوفا عند الكثيرين كمصدر لذيوع الأسرار و الفضائح و هذا ما يفسر عودة بعض قاطني المنطقة بعد وفاته إلى سكنهم الأول بعدما هاجروه مثل أسرة " مغليه و موسى " و لم يجد " سعد البكوش " من يرثيه أو يحقق في موته كقتيل إلا ذلك الشيخ الذي تلفّع بالحسرة بعد نضوب مصدر أخباره..
* قصة " يا سمي صبّي المي ":
يرتبط ضمير المتكلم - القاص - بموعد مع عشيقته الفرنسية " سيمون " و كلما هاتفته هذه مذكرة إياه بالموعد الذي بينهما يرجي لقاءه بها.. إذ أنه يبدو للوهلة الأولى منشغلا بتوزيع المنشورات التي تدين الجرائم الفرنسية بحق المناضلين الجزائريين - زمن التحرير - لكن ذلك سرعان ما يتبدد فور تصريحاته المتكررة أن سبب إرجاء اللقاء أنه في الليالي الصحو لا يمارس الجنس و يختم قصته ليعطي معنى اختياره لعنوان قصته و من ثم عنوان المجموعة برمتها بقوله " انتظر هطول المطر..و يا سمي صبّي المي !.. ففي الليالي الصحو لا أمارس الجنس " ص 133.
* قصة " الزمزامات ":
فكرتها أن الزوجة طلبت من زوجها إحضار " الزمزامات " لختان - بالعامية:الطهور - حفيدها و هو إذ مخر به الطريق صوب شوارع " الباز و سيدي عمران و الكندي " حيث البغاء و الزمزامات..لا يلبث حتى يفاجأ إثر عودته برجوع زوجته عن طلبها بعدما أدركت عليه علامات مريبة كشفت لها عن خيانة !..
# في الختام أجد من المناسب أن أقول الأتي:
- القصص اتكأت على الوصف حد التخمة مما جعلها تتشح بضبابية أحيانا على تسلسل طرح الفكرة     ونضجها في ذاكرة المتلقي..فالفكرة في مجموعة " يا سمي صبّي المي " تحتاج كي يستوعبها القارئ جهدا إضافيا و ذلك بتجريد القصة من عقبات الوصف و إعادة القراءة بانتباه فائق.. فالقارئ الذي تجفل عيناه يمكن لأسطر الوصف أن تقذفه على شاطئ لا يخص القص..
-        احتوى غلاف المجموعة على كلمة للأستاذ محمود البوسيفي و كعادة المقهور لا يفوته و هو يُصدر كتابا و إن كان "هيمنة القرون الأربعة "  أن يحرسه بكلمة لأحد المثقفين الليبيين  كـ :
علي الرقيعي - عبد المنعم بن ناجي - خليفة التليسي - منصور أبو شناف - محمد الزوي"..
إلا أن هذه الكلمة الاحتفائية و المعنونة بـ : " الدهشة من أول السطر " جعلتني أخمّن و أقف عندها ثلاث مرات  :
& الأولى :  ماذا يقصد كاتبها بـ : " الدهشة من أول السطر " .. فهل كل سطر من قصص
المجموعة يؤدي مهمة الدهشة المنتظرة للقارئ ؟.. و ماذا يحدث إذن إذا طبعت المجموعة ثانية واختل ترتيب الأسطر عما كان عليه في الطبعة الأولى ؟.. فهل عندها ستحافظ الدهشة على مقاعدها التاريخية ؟ ذلك أمر يبعث إلى السؤال !..
& الثانية :   رغم عدم اتفاقي مع حكاية الدهشة هذه حتى و لو كان يقصد الكاتب " الدهشة من السطر الأول " إلا أن الأستاذ البوسيفي  كتبها بحساسية صحفية تنم عن قدرة في لجم جموح الكتابة الاحتفائية بكلمات موظّفة لدفع فكرته مباشرة خطوة واثقة إلى الأمام ..فهو يقول فيها: " يروق له - أي المقهور - أن ينسى - و نفسي معه - أنه كان مسؤولا يضطلع بفاعلية بمهام الأمانة " الوزارة " و السفارة و الاستشارة القانونية في ساحات القضاء الدولي و عضويات أكاديميات عالمية..إلخ..لكنه حتى و هو يرقد في غرف العناية الفائقة لا ينسى للحظة مسؤوليته كمبدع يعي بدقة وظيفة الفن       و ضرورته.."
& الثالثة :   ذكرتني حكاية الدهشة و السطر الأول بمفتتح لدراسة نقدية كتبها د. علي حرب عن الصادق النيهوم جعلتني أخض في أفكار متضاربة و ذكريات قراءة و أتمتم..أن المقهور أدهش البوسيفي و النيهوم أدهش حرب..لمن اندهش القارئ ؟..أم !!..لا أعلم على وجه الضبط.. فالكتابة    و الفن عموما في نهاية الأمر نشاطٌ للذوق الذي هو بالأساس معتمد على خيارات متباينة عند البشر..لذا وجب احترام آراء الآخرين مهما كانت الظروف !..
-        يواصل المقهور السير وفق أطروحته الأثيرة لمفهوم القصة القصيرة و ذلك بالاتجاه بها نحو الواقعية المحضة التي تبرز في حياة الناس و همومهم الصغيرة مستعينا في ذلك بضمير المتكلم - الراوي - الذي يملك أيقونة الأشياء و كعادته أيضا يفرد مساحات للهجة العامية الليبية فنلتقي بكلمات نحو " يا مسخ..يا مسردن ..وآش خصني..طيّح سعده..الدوّه فيها واو ..خذاها المنجوه ..إلخ " و كذا بالأجنبية متى كانت القصة تحتاج ذلك نحو " ميرد ألور ..جي ما أنفو ..تي كومبران ..تي فبي مون شير إلخ ".
-        و آخر القول ..يظل كامل المقهور اسما يذكره الأدب كعاشق قديم للمعرفة في زمن الظلام و كمحامٍ احتل مكانته في قضايا عاصرتها ليبيا كقضية الجرف القاري و لوكربي و غير ذلك و فوق هذا ظلّ إنسانا ودودا.. تعرفت إليه فأهداني حواره و كتبه و طرابلسيته المجيدة و إن كان ينحدر في أصوله من منطقة صرمان إحدى المساحات الريفية التي ظلت تتبع مدينة الزاوية إلى الفترة التي سبقت ظهور الشعبيات آواخر التسعينات..
إن عشاق المعرفة يظلّون سر أوطانهم و لا شك أن كامل المقهور أحد هؤلاء.
 
* أُعدّت بمناسبة ندوة " أثر المكان في القصة الليبية..كامل المقهور نموذجا ".. نادي القصة  والرواية بالرابطة العامة للأدباء و الكتّاب بتاريخ : 4/7/ 2004.
* " يا سمي صبّي المي " مجموعة قصصية..الطبعة الأولى 2000..دار النخلة..كامل المقهور.