الشاعر: صلاح عجينـــــة:
أنا
ضياع لذيذ بين مجموعة مزاعم
حاورته:فاتن عبد
الأمير اللامي
هو
شخص يرتدي ثياب الفوضى..تحيطه أجواء عبثية على الرغم من أنه وأثناء حوارنا تهكم علي
في الرد على وصفي بالعبث وقال: [هذا شأنك وحدك..أنا لا يهمني]. تسكنه روح الحالم
الخجول..عينان تحملان معاني كثيرة..ربما نصفها
بالمتحدية..الساخرة..المتمردة..المحترمة..واللامحترمة للآخرين..مزيج من
التناقض..خليط من المشاعر العشوائية والصفات غير المتجانسة. أخبرني أنه يكره
الألقاب والمؤهلات والقولبة..قد تكون تصريحاته هذه حقيقة وصادقة..وقد تكون مجرد
شعارات يحملها ليختبئ خلف ستار البسطاء..لا ندري!! ولكم قراءنا الأعزاء نترك
إصدار الحكم بالإدانة أو البراءة.
كما
أنني وزملائي ممن يمتهنون الصحافة..لم نسلم من قذائفه والتي رشقني بإحداها وأنا
جالسة معه في حوار سلمي..عندما وجه لنا وابلا من الاتهامات المطلقة..لكنني لم أرد
عليه وأقول:[إن الحكم المطلق ..ظلم مطلق]. وهو شاعر لا يتذوق القضايا المباشرة في
الشعر ولا يعترف بها كتلك التي في نشرات الأخبار عدا عن تلك التي تتلخص في هموم
إنسانية صغيرة..ومفاهيم كالخيمة والقمر والجمل..فإن المتحدث فيها يمارس نوعا من
الخداع على نفسه قبل الآخرين.وحتى لا نطيل عليكم..استوقفتني جملة هامة خطيرة في هذا
الشاعر الرافض لكل شئ ..ربما حتى لذاته..احترمت فيه ذلك الرقي الفكري عندما أخبرني
بأن [الفكرة لديه تختنق لتجهض إذا أحاط بها حراس العقائد والأفكار!!] وأنا أؤيد
وأضيف وأقول بأن الفكرة تولد في رحم الحرية لتسبح ذلك في فضاءها الحر..لتعيش عائمة
ومتمردة..وتنتهي..لتموت إذا مورست عليها سلطات المحظور والممنوع. من هنا كان لابد
[للعرب العالمية] من تحاور من يزعم كما قال لا كما قلنا بأنه قد يكون شاعرا أو
ناقدا أو حتى مسحراتيا..ومن دون ألقاب نقول صلاح عجينـة:
س/
كيف يقدم صلاح عجينة نفسه للقراء.. كشاعر..كناقد أم..؟
أزعم
أنني شاعر وربما ناقد وربما مسحراتي وربما كاتبٌ عمومي لا يملك رخصة مزاولة نشاط
ويقيني أنني ضياع لذيذ بين مجموعة مزاعم.. ولا أدرى.. تصوّري لا أدرى
!..
س/
أحيانا عندما أقرأ أشعارك أشعر بأنني أهيم في بحر من الوجدان والأحاسيس
المرهفة..وفي أحيان أخرى توحي صورك الشعرية بالشئ المادي المفرط.. وكأنها مشاعر من
حديد وفولاذ..نحو:[الجناح عند الطائرة، اتزان], [جناح الطائرة إنتاج
] فهل يطغى الجانب العلمي ودراستك للطب على أحاسيسك ؟
الشعر بالنسبة لي هو عبارة عن كتابة وجدان وليس كتابة
علمية مثل ما تقصدين, فقد يكون الشعر أحيانا ضربا من الحِكم وأحيانا يتصيّر إلي نص
عرفاني وأحيانا يشبه سجع الكهان وأحيانا أيضا إلي نوع من الهذيان..والشعر رغم
مخالجته لشطآن أجناس فنية كثيرة يبقي بعبقرية شعرا..في انضوائه على خميرة سحرية
يقبض عليها الشاعر كما تقبض هي عليه وليس أمام المتلقي إلا أن يقرأ فيعرف ما يقرأه
هو الشعر. بهذا القضاء المتناقض والتضاد تتأسس حالة الشعر لدىّ وأنا أقع في هذا
الفضاء حتي أخمص آخر قصيدة كتبتها..إن الشعورات المتباينة التي تجتاحني هي
التي قد تقدم لكِ نصوصا ذات اختلاف مورفولوجي,.. لكن جرّبي استبطانها من جديد قد
يتهيأ لكِ أمرا آخرا!.
س/
لم تجب عن سؤالي؟
ما
هو سؤالكِ..عفوا؟
أنت
تعرف..؟
حسنا, أخبرتكِ سابقا بأنه في مقاطع, أجد نفسي وقد همت
مع كلمات ذات شجن ووجدان, وفي لحظات أخرى..أشعر وكأنني أتعامل مع الأشياء الملموسة
في الحياة..كالطاولة والمقعد وغيرها مما أشرت أنت إليه.
س/هل
أنت راوٍ لهذا الجمود؟
لا
بتاتا,.. خذي مثلا عند الصوفية تتحول الصورة أو المنظر إلى معنى تتمثل فيه الذات
الإلهية ومن ثم تتحول هذه الصورة إلى شئ مقدس وموضع عبادة..يقول ابن عربي مثلا في
هذا الصدد في الفتوحات المكية [ يتجلى الحق لكل طائفة في صورة اعتقادها فيه] ,
بينما هي في الواقع مجرد تكوين مادي,..ومن هذه الأشياء المادية ما يكون علامات
لرموز كبيرة.
س/
تعاملك مع رموز يفرضها الواقع كوننا نعيش في عصر يتسم بالحداثة التقنية, قد يكون
ايجابيا وليس سلبيا..أليس هذا الذي تريد أن تقوله؟
دعيني أولا أصحح لكِِ, هي علامات وليست رموزا, فالرموز
أشياء معنوية غير ملموسة ومذكورة في النص, تقومين أنتِ باستنتاجها, أما العلامات
فهي عبارة عن أشياء مادية إلا أنها تفضي في النهاية إلى الرمز, وثانيا أن تعاملي
معها أنظر إليه أمرا جيدا ومنطقيا ولا أخفي عليك أنه يستقر في ذهني من البداهات
التي ينبغي للمرء أن يطرد نقاشها من ذهنه مادام متماثلا للشفاء من الجمادات
الحقيقية التي هي الرجعية الشعرية والجمالية, والتي لا تألو جهدا من أجل إعادة
إشعال نار الشرعية على الشعر الحديث ولاسيما قصيدة النثر وكل الارتباطات الفكرية
التي أسست لها.
س/هل
من خلال إسقاط مفاهيم مثل التغني بالخيمة والقمر والجمل وتحسس بدائل من المعيش
اليومي كالطرق والطائرات و...إلخ, يمكن للشعر أن يكون؟
الذي
يتحدث- كما وضّحتُ سابقا- عن الخيمة والجمل ويقف عندها كقيم جمالية نهائية للحياة,
أشعر بأنه متحدث يمارس الخداع على نفسه قبل الآخرين بعلمه أو بدونه. فالحياة لا تقف
عند شئ, ومن يقف عند أي نقطة فهو قد وقف وكفى, أما الشعر فهو مشروع المد بلا
انقطاع..باحثا عن الإنسان بكل ارتباطاته في كل مكان, وفي كل لحظة ,..منقبا ومدافعا
ومتحسسا لشعرية الإنسان بوصفه كائنا رامزا ومتجددا بخلاف الدواب
الأخرى.
س/لماذا؟
كون
الموت لا يبحث إلا الموت..والشاعر العربي عندما فاخر بفرسه، فهو إنما يمارس
المباهاة بمركوبه, وهو إذ ذاك كان يتحسس اليومي فيه, لهذا كان شعره صادقا,
ويمكن للشاعر الحديث أن يتناول في موضوعاته الشعرية الفجر والهوى واللهيب والخيمة
والديار والجمل, لكن ذلك لا يتم إلا بمعالجة فنية يخترعها الشاعر نفسه من جديد مع
متلقيه, وتناوله لها بإحداث رؤية من خلالها..بإضافة..بإدماجها في الضجيج اليومي,
صانعا من ذلك الهمّة اليومية للإنسان. نحن لسنا بحاجة إلى خيمة وفرس فقط, اللهم إذا
كانت تغذي مفهوما يؤسس لليومي. وثمة مثل كلاسيكي ينبغي قوله في كل مرة وهو القمر
الذي كان يمثل مركز الإلهام والحلم عند الشعراء, أما اليوم فلقد وطأ الإنسان بقدميه
القمر, وأمام أعين خلق الله جميعهم فردا فردا, فهل يستطيع الشاعر أن يمرر هذا الرمز
الآن وهو مطمئن البال - طبعا كرمز للحلم والخيال؟
ولو
عض قلبه وفعل ذلك فسرعان ما ينتبه الناس إلى أن القمر مجرد أرض مليئة بالتجاويف
الهائلة وبالبراكين,..والشعر لا يحتاج إلى الحقائق بقدر احتياجه إلى الخيال إلى
الغيبي,..الحقيقة المجردة مشروع للتقارير الصحفية والعلمية.
س/
أغلبية شعراء الحداثة يحاولون نسج عبارات وجمل غريبة, وقد لا تطابق المعنى, هذا عدا
أنها تعد خارجة عن المألوف..وكأن اليوم أصبح الشاعر هو ذلك الشخص الذي يصنع كلمات
غريبة بعيدا عن الوزن والقافية والمعنى مثل الفلفل الحار..ونشرة الأخبار
وغيرها..وأنت تقول في إحدى نصوصك..[سأكتب دموعك على جواربي..وأركض..كي لا
أنساك]..ماذا تعتبر هذا الكلام تسامٍ ورقي في وصف حالة أم حالة من عدم وجود معانٍ
للوصف؟
سؤالكِ مكون من شطرين..مدخل نظري في العموم ونموذج
تطبيقي من نصٍ من نصوصي,..والذي أقوله إجابةً عن سؤالكِ بأن الشاعر يحق له أن يعيد
النظر في أي كلمة, فالكلمة في اللغة العربية لها مراحلها داخل إطار المعنى,..فمثلا
لو أخذت ِ كلمة البحر في لسان العرب فستجدين لها من ثلاثين إلى أربعين معنى.والشاعر
الحقيقي هو الذي يضيف لهذه المعاني معنى جديدا,..الشاعر الحقيقي الذي له القدرة في
التدخل,..في إعادة ترتيب الأشياء والمفاهيم..أقصد عندما يكون الشاعر له رؤية, أما
إذا لم يكن له مشروع رؤية كما يحدث عادة في النظم المرصوف من قبل مكلكسين وفق منهج
مدرسي فهو لا يخصه كلامي السابق, وهنا أحب أن أضع سؤالا بالصيغة التالية..لماذا لا
تشيد للشعر مدرسة أو كلية إذا كان يحمل تعريفا وشروطا واشتراطات؟,..طبعا الإجابة
ستكون لا,..لأن الشعر فضاء بحثي, وفضاء للأسئلة, وليس مدرسة تقدم إجابات ومحفوظات
وقوالب علمية ومنطقية..الشعر سؤال الحرية.
وبالنسبة للموضوعة التي أشرت إليها,..هذه تحديدا تعكس
حالتي الشخصية في دورانها اليومي على محور الحياة..حالة المشي الدائم التي اصطفتني
إليها..فأنا في اليوم أطوي المسافات المأهولة مشايعا للذي يأتي ولا يأتي,..وربما
نمت هذه الموهبة المتصاعدة في تكويني وهذا العشق من خلال انضمامي المبكر لحركة
الكشافة,..ولابد أنها الآن قد تحولت من موهبة روحية إلى استهواء مفزع..تصوّري أنني
لا استخدم السيارات العامة أو الأجرة في تطوافي اليومي إلا نادرا..وطبعا لا أملك
سيارة بالأساس.فأحيانا أمشي وأمشي دون غاية محددة، وأظل خلال ذلك أعيد قراءة البلاد
التي أنجبتني رصيفا برصيف..من زهرة ذابلة إلى نافورة معطلة, ومن مستودع قمامة إلى
زهرة بريّة..وأنا لا أريد أن أقدم قراءة حتى لا أصادر حق المتلقي في أن يقيم حولها
تأويلاته وقراءاته..إلا أنني اعتقد أنها واضحة بشكل مخل للإبهام, ومن أوضح الكتابات
التي كتبتني..فهل للوطن فلكٌ تدور هي فيه؟ وهل الدمعة مثلا تعني الحزن
اليومي؟
س/
لكن هل الدمعة في الجوارب؟
الجوارب قد تكون علامة لرمز الحرية والحركة..وعلى أية
حال هو جوربٌ وليس حذاءً,..والناس في كل أنحاء العالم السليم يسيرون على
أحذيتهم,..وأعتقد أن المواطن العربي وتحت كلمة مواطن خطان يمشي على جواربه وأحيانا
حافي القدمين,..وما أكثر الـ[أحيانا] الثانية.
س/
في رأيك ما هي أدوات شاعر الحداثة والتي تؤكد أنه يعيش في عصر
حديث؟
أن
يكون الشاعر فنانا, الفنان الذي تحدث عنه أرنست فيشر مثلا والذي لا يستطيع أن يحس
سوى الأشياء التي يقدمها له عصره وظروفه الاجتماعية. أما اشتراطات الشعر فإنها
الشعر. فمع تخلّق قصيدة النثر سقطت التعريفات المدرسية للشعر,.. آخذةً القوالب
المهترئة إلى مستودعات تجميع التراث الشعري, وبهذه المناسبة أُقر بأنني لا أتذوق
الشعر المحموم بالقضايا الكبرى..الحافل بالشعارات والتهريج..بمسيرات الغضب
والاحتجاج والتأييد..أنا أكتب عن الهامش وأقرأ في هذا الفلك.والشعراء الذين يتعاطون
مع قصائد معروف مسبقا القضية التي تؤسس لها لا أقرأ لهم !..
س/لماذا؟
لأنني لا أتذوق القضايا المباشرة في الشعر,.. القضايا
المباشرة في نشرات الأخبار!.وأعلم أن هذا قد يكلفني لو ضربت أمثلة لكنه ذوقي وذوق
القصيدة التي أكابدها,..والتي تتحرك في هموم إنسانية صغيرة في ظاهرها,.. وفي ذات
الوقت تكتنز قضايا تخص الإنسان خارج دائرة الانتماءات وأوهام الممارسات البشرية في
عالم الصراع والسياسة.
س/ثمة أسماء معروفة في عالم الشعر ارتبطت مشاريعهم
الشعرية بقضايا كبرى في المنطقة العربية..هل تلغيهم؟
ما
بوسعي إلغاء دور أحد, لا دور شعراء القضايا التي تبدأ بفلسطين ونهاية بقصائد الغزل
في رؤساء الأقسام القزميين في وزارات الثقافة العربية,..كما لا ألغي دور رجال الأمن
الثقافيين,..ولا دور حُراس العقائد والأفكار والقصائد بوهم حماية الجمال, ولا أعرف
كيف تكون للقصيدة شرطة, ورغم عدم قناعتي بأن الأفكار تحتاج إلى حرس ومخابرات حولها
أو بخصوصها, وما تحتاجه فقط هو الحوار المتواصل الذي لا يلتزم إلا بالحوار إلى
النهاية على خلفية ثقافة نقدية تمتحن كل شئ.والشاعر بفطرته لا يلغي دور الحشرات
والجمادات بقدر ما يتفاعل مع الجميع ويقدس قوى الجمال أينما تبدت له وفق رؤية ..إلا
أن الشعر المنظوم بالقضايا - كما قلتُ لكِ- لا يشكل لي محط اهتمام أو إثارة,..فمثلا
قضية فلسطين هي قضيتنا جميعا,.. إلا أننا نختلف في وسائل التعبير عنها, فالذين
يكتبون أهازيجا قومية ودينية هم من يكتب المدائح والأذكار السلطانية والجمهورية,..
وثمة من يكتب حتى في رؤساء الأقسام في المؤسسات الصغيرة,..وهؤلاء جميعا أحترمهم
وأحترم حتى من يفكر في كتابة الشعر ومن لم يفكر..هكذا الشاعر يحترم الجميع ويؤمن
بالاختلاف ويمضي إلى النهاية على سبيل ذوقه وذائقته إلى حيث يشاء.
س/
هل أنت شخصية عبثية؟
أكره
التسميات والألقاب والتصنيفات المعدة للأكل أو التي على نار الطبخ,..وإذا ما تمثلت
لكِ على هذا النحو فهذا شأنكِِ وحدكِِ,..أنا لا يهمني.
س/يلازم شعرك حالة دينية, تتخللها طقوس التصوف, وحيث
أيضا الانشغال بآل البيت وبسيد الكائنات وبالسيدة خديجة..كيف خلقت هذه الحالة
عندك؟
لابد
وأنها حالة وجدت طريقها إليّ وأنا في أطوار تكويني الجنيني, ومادمنا ولجنا هذا
الخضم سأقول أن من الدروس التي أدمنت ترجمتها في ذاكرتي الفتنة الكبرى, لقد تفتحتُ
على هذا الدرس المرعب, وسأظل أقرأه إلى النهاية لأنه يعنيني كثيرا..إنني ألجأ
للتزوّد بمشاهد كثيرة منه كلما جرفني تيار الإحباط العربي, وكلما اغتصبني اضطهاد
ما. تصوّري أشعر بأن معاوية عاش كل العصور وأشعر بأنه هو الذي تنتصر له الدنيا في
كل مرة..كما أشعر بأن دهاء ابن العاص مازال ساري المفعول, وقد أُعدّ هذه المرة فقط
لمواجهتنا نحن أبناء الريح والعذابات اليومية..صدقيني إذ قلت لكِ أنني مرتبك الآن
وحزين ولا أستطيع أن أرصد حالة تتغشاني, و أُقدم بخصوصها الإجابات,.. إنني في حضرة
سؤال يُصيغني على نحو ما ولا أملك أكثر من مشروع اقتراح لإجابة قد تخصه على نحو
ما..ونصها أن حالة سيدنا محمد والسيدة خديجة لم أتناولهما كمديح نبوي أو كقُدّاس
إسلامي..بل كأفق إنساني ينتشلني ومن يرتادني قراءةً من اليتم..اتخذ منه رمز
الرموز..ومن حالتها رمزا إنسانيا-فهي ليست بفاطمة أو مريم بنت عمران, هي ليست سليلة
بيت نبوي أو ما شابه ذلك!..هي امرأة عربية يمكن قراءتها كمجتهدة أبدعت رمزها
العظيم, كحاضنة ومزمّلة لأعظم الخلق, فقد قال لها في لحظة الفزع العظيم [زمّليني]
وكصاحبة حكمة ومال وكأسن من النبي - الدور التأسيسي-.تصوّري أحيانا تتبدى لي أنها
رمز للبسطاء حين يتصيّرون عظماء أو العظماء البسطاء أو......إلخ.
س/عفوا هل لديك عقدة الطبقة الغنية؟
أولا
ليبيا - المحيط الذي من المفترض أنه يشاكلني اجتماعيا- وعبر تاريخها لم تحفل بطبقة
الأغنياء بصيغة شرعية حتى الفترة التي ولدت فيها والمضمخة بالزمن الاشتراكي, فحتى
الذين يملكون قطع المعادن والورق المصكوك بالفضة لا يستطيعون أن يتزينوا بها في
مراسم تحت ضوء الشمس..أما في الأزمان التي سبقت هذا الزمن, فإن الذين ملكوا المال
أكثرهم من المنبطحين لإيطاليا والإنجليز,..ولا أدري هل أفاجئك بأنني مقتنع بالطبقية
التي يصنعها ما يصنعها فقط لا تكون نتاج سرقة من قوتنا اليومي والضحك علينا بحركات
بهلوانية لصوصية..وعموما ليبيا مجتمع رعوي ريفي,..كان الإقطاعي فيه من يفك الحرف
ويملك رؤوسا إضافية من الماشية والعباد ولا يتمتع بتقاليد وتراث بشكل واضح, ومن ثم
لا يمكن الحديث عن أشباه الأشياء بثقة!.
س/
تقول في مقدمة كتابك النقدي مطالعات وهوامش ما نصه :[ليست مهمة الكتابة التعرية
فقط,. بل إثارة الحوار الرصين حول نقاط الجمال والتنقيب عن بواطن الزلل
معا..إلخ]..ما هي مؤهلاتك لأن تكون ناقدا أدبيا, ومن أعطاك الصلاحيات لأن تنتقد
أعمالا لشخصيات كبيرة في الأدب الليبي؟
أنا
لست ناقدا, ولا لست ممن يستظلون بالألقاب حتى أن أحدهم على ما أذكر كتب قائلا ما
نصه
[من
باب الاغاضة سأقول له الشاعر]وكتب آخر [سأقول له الناقد رغم تحفظه من الأسر في
الألقاب]..حقيقة أكره الألقاب وأكره المؤهلات وأكره القولبة وتقاليد الأشياء, ولا
أدعي أني ناقد , ولكن ما تقرأينه يسمى بالضرورة في التصنيفات المكتبية والمعجمية
نقد, وكوني أقترف كتابة الشعر فهذا يكفي لأن أعيد ترتيب الأشياء كما يحلو لي , ثم
من قال لكِ أن بعض الذين تناولت أعمالهم كبارٌ في نصوصهم, من أعطاك ِ هذا الحكم
المرعب .إن بعضهم يحمل اسما كبيرا كمؤسسة, كسلطة ذات تقادم, وأنتم الصحفيون
والصحفيات الأحياء منكم والأموات لا تهتمون إلا بالأسماء التي تتمتع بحظوظ
مؤسساتية, ولو عُدت لبعض الأسماء الكبيرة كنص, فلن أجد حولها كتابات أو حوارات, وهي
مهملة جدا,..أنتم الصحفيون يقع عليكم بعض العبء في تزوير الشعر والمفاهيم
والحقائق.
س/هل
يشعر صلاح بأنه مميز لخلو الساحة من كثرة المتميزين ؟
ما
هو تعريف التميز..عفوا
س/قم
أنت بتعريفه حسب وجهة نظرك؟
لا
أعرف
س/مثلا مكانتك الأدبية بين أفراد
جيلك؟
جيلي
من الأدباء وإن كانوا قلة فهي قلة بإذن الله مؤمنة ولا أريد أن أتلو الآية الكريمة
المعروفة, جيل يتمتع بحقوق مدنية منها حق المواطنة وحق التمتع بالشمس والصحراء
والبحر المتوسط وكهوف عمر المختار, وهم لا يتعاطون مع الايدولوجي بخلاف من سبقهم
ممن ذبحوا نصوصهم على مذبح سجلات الوارد والصادر من الأفكار, فنحن متميزون فعلا
بشقائنا اليومي, وبأحلامنا محدودة البال, وأنا أُقرأ عند الكثيرين منهم أو بخلافهم
كرأس الشقاء التسعيني.
س/
يبرز في شعرك رصيد ثقافي واسع, هل تحاول حصر نفسك بأن تكون شاعرا نخبويا للطبقة
المثقفة على حساب البسطاء؟
لو
تبدّى في الشعر شيئا ينم عن حالة معرفة, فالشاعر ليس مسؤولا عنها, والعكس
طبعا, لأن الشاعر مرآة لمكنوناته وخلجاته مع عالم الرؤى والأفكار والأحداث,
بل والوقائع اليومية ونحن الشعراء في ليبيا نقرأ لبعض على سبيل المتابعة, أما
الليبيون فالكثير منهم لا يقرأون..إنهم منشغلون في أعمال أخرى منها حماية المرتب
الشهري والفرار من العمل وغير ذلك..ومشكلة الحركة الإبداعية في ليبيا أنها منفصلة
عن مجتمعها, بل منفصلة حتى عن مراكز العمل الأكاديمي كالجامعات والمعاهد
العليا,..ثم إن الشاعر يكتب الحرار الذي يندحر فيه, وليس من مهمته انتخاب
قراءه.
س/الشعراء عادة ما ينظرون للناس من على برج عاجي من
حيث الثقافة, فمن أي الأبراج تطل أنت على قرائك؟
لا
أعرف من أين لي أن أمتلك برجا عاجيا, حتى أقف عليه, وهل للمعرفة أبراجٌ
بالأساس!..
س/أعتبر هذه الإجابة نوعا من الدبلوماسية في
الرد..أريد إجابة أوضح؟
غالبا ما ينظر الشعراء إلى ذواتهم كمراكز لقوى الجمال
وأنهم رسل الجوهر الإنساني, وهم إن كان هذا ما تقصيدينه فهم محقون, وهنيئا لهم
لأنهم شعراء.
وعلى
فكرة أريد أن أضع هذا الهامش وهو أنني طالما أقول بفشل الشعراء إذا أتيحت لهم
الظروف لأن يكونوا على رأس إدارات مؤسسات ثقافية أو إعلامية بخلاف المثقفين من
النقاد والقصاصين والروائيين والصحفيين, وذلك لأن الشاعر سادن مزاج, وقد ترتاده
لحظات تنكر للآخرين..أليس كذلك؟.
س/
في نصٍ لك بعنوان حكايات تقول في حكايته الخامسة[ليس ثمة مشكلة/ كل شئ على ما
يرام/ثم كل شئ مشكلة /ليس ثمة شئ على ما يرام]يبدو من هذا المقطع وغيره الكثير أنك
تحاول طرح فلسفة أكثر من غزل أنفاس شعرية..هل تقصد ذلك؟
أحيانا الشاعر بتأملٍ صغير يقيم الأسئلة حول بداهات
تشكل حياتنا..الأسئلة التي تطال كل شئ.. الزمن في أجزاءٍ منه, منظومات معرفية أو
عقائدية, وأقول طبعا لابد للشعر من فلسفة وأذكر أن مقولة لاكتافيوباث لها الرنين
الدائم حين أكتب الشعر, يقول فيها [أيها الشاعر تلزمك فلسفة قوية], والذين يطوفون
بشعرهم فقط حول كعبة اللغة ومحسناتها وصيغ مبالغتها إنما يكتبون لسلة المهملات,
عاجلا أم آجلا!!..
س/
لكن عادة الشاعر الناجح هو الذي يكون كلامه بسيطا, وقريبا للقلب أكثر منه المغلف
بالفلسفة والألفاظ المستحكمة على الفهم؟
يمكن
للشاعر أن يخترع ارتيادا ما يطرق به قلب قارئه, وفي ذات الوقت هو يقدم له شعرا
ينتفض بالحيوية الفكرية و الجمالية معا, ومسألة رواج الأشعار البسيطة ونجاحها لو
تأملنا فيها لما وجدناه نجاحا مؤقتا وطارئا كأغاني الكليب, فور نهوض المجتمعين من
أماكنهم تنتهي معه صلاحية القصيدة أو الأغنية, ولا يمكن الاحتكام بهذا النحو على
نجاح الشعر من عدمه.
س/لو
تحدثنا عن الوطن في أشعارك, هل تختصر الوطن في الأنثى ؟
الأنثى أكبر من الوطن، هي وطن يحمل أوطاننا القزمية
جميعها, حتى أن شيخي الأكبر ابن عربي وغيره رأى أنها محل من محال الحلول للذات
العليا, وقد ناشد العالم عبر صيغة المؤنث, وبعض الصوفية رأى فيها معراج الإنسان
لمعرفة الرب, ففي مدرج الحب يتصيّر الجوهر الأنثوي رمزا للحقيقة
والإلهام.
س/هناك شعراء يتصفون بالجرأة في الوصف الحسي لجسد
المرأة وأحوالها..ألا تظن أنك تستغل الوطن كذريعة لتناول الأوصاف الجسدية للمرأة
هروبا من مواجهة التقاليد المحافظة؟
لا
أخشى أو أكترث من أحد لو أريد أن أكتب شيئا ما..فأنا أكتب لأكتب..ولا أتستر وراء
حجاب مشروع بحثا عن مبرر..أنا أكتب هكذا مثل نوبة سعال أو عاصفة رملية أو نسمة
ربيعية متشاكلة مع أوراق البرتقال.
س/
أريد إجابة واضحة حول سؤالي, فأنت تدخل في تفاصيل كثيرة ودقيقة تخص الأنثى مباشرة
في تشبيهاتك للوطن؟
في
أحيان يضطر الشاعر لخداع المغفلين ثقافيا ليورطهم في أحلامٍ تخصهم أو ينبههم لأسئلة
مطمورة تأكلهم وما هم يشعرون، الشاعر لديه أفكار لابد أن يصدّرها للعموم..ماذا
يفعل؟..يبحث لها عن منافذ فنية ومقبلات, والأنثى مشروع وجبة دسمة في الشرق, فبعض
الملحقات المتعلقة بالأنثى تصلح لإنجاح العديد من الأفكار..عموما بالنسبة لحالتي لا
أذكر أني تقدمت خطوة واحدة في وصف مباشر لتجسدات الأنثى حتى الآن ولا أتنبأ
بالمستقبل!!.إنني على نحو ما وعلى أقل تقدير أعد نفسي من أولئك الذين آمنوا
بالتسامي كشعراء الصوفية ومن قبلهم الشعراء العذريين.
س/عيون الحب نصفها شغف والباقي شغب..هل الحب لديك
تسلية وشغب أكثر منه شغف؟
الحب
حالة شغف محفوفة بشغبٍٍ ما.
س/أرجو التوضيح أكثر؟
القارئ يستوعب كلامي, والشاعر لا يجيب عن الأسئلة التي
تطرحها قصائده, ثم أن ليس بمقدوركِ أن تجتزئي من النص مقولة, أو أسطر شعرية
بعينها, وتقيمي حولها الأسئلة, لابد أن تقرأي هذا المجتزأ في النسق العام للنص
الوارد فيه, ثم من قال أن الشغب يعني التسلية فقط, فقد يعني الحرية, وأنا هنا مثلا
أقرأ مجنون ليلى كمشاغب لأنه استمسك بعروة وجده وتهيؤاته بعرفانيته..والعرافون يا
سيدتي في أوطاننا متهمون دائما بالجنون والاضطراب.
س/لِما هذا الجمع في شعرك بين طعم الفقر وطعم الوطن,
هل هما مقترنين ببعضهما حقا..أي أن الوطن في هذه الأيام فقر وفقر هذه الأيام
افتقارنا لوطن؟
سؤالك ينطوي على إجابة قد أعجز عن صياغتها, فأنا فعلا
كما قلتِ.
س/وهل للشاعر في نظرك وطن؟
وطن
الشاعر فضاؤه, محطات ترحاله, أفكاره, خنادق نضاله, مساحات عمل أفكاره, وطن بلا حدود
, وطن يمنحه الحرية, يمنحه أن يقول كلامه إلى النهاية دون مقاطعة بوليسية أو
عقائدية, دون قطع لسانه ورقبته معا, وطن الشاعر لا يمكن حصاره في دولة
ما.
س/أنت شخصية واثقة من نفسها, هل تعتقد بأن الغرور
سيصيبك يوما؟
لا
أحب الإجابة عن الأسئلة الغيبية, أقصد ليس لدي نبوءات فلكية في هذا
الصدد.
س/أخيرا إلى أين تريد أن تصل؟
فقط,
لأن أكون صلاح عجينـة.
--------------------------------------------------
نُشر
في صحيفة العرب-بتاريخ:13/4/2005.