الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
حوار مع الشاعر صلاح عجينـــــــــــة
حاوره:إبراهيم الككلي
مهما تعددت الوجوه..فإن للحقيقة وجه واحد..صوب هذه الرؤية يتأسس حواري هذا مع المبدع صلاح عجينـة..وهذا الحوار بمثابة استدراكات مختلفة على هامش مشروعه الثقافي بشكل عام.
س/ لماذا قريبا من ناصية البئر والتحول وليس ناصية البئر والتحول مباشرة؟
البئر/التحول..مبدءا عرفان أثابر بالأول لبلوغ الثاني..عبر كدٍ شاق من خلال التجلي الذي هو شعر..ولتقديري عظم مسؤولية بحثي هذا استطعت أن أقترح ممارسة الاقتراب..ولم أقبض على مبتغاي..ولا أخالني سأقبض عليه في لحظة ما..اللهم إلا إذا كانت قبضة من أثر حلم..وهذا ما ينكشف لي في صورة الاقتراب.
س/ هل البئر الذي تقصده يؤسس لتحول ما..وأي تحول؟
بداهةً..البئر يؤسس للتحول..فمثلا في معناه العام يمثل- أي البئر- لحظة الحياة في مقابل الموت..وهذا المعنى بدوره ينسجم مع طبيعة حياة العربي..فالبئر-هنا- له إمكانية إحداث تحولٍ هائلٍ..وإمكانيته-هنا- لا تنحصر فقط في جرعة ماء يتزود بها جوّاب آفاق ينتظره الموت في حال فقد هذه الجرعة..بل الجرعة التي تتشكل حولها وحدات أو مرافق الحياة للقرويين..حينما يتصّير البئر عاصمة القرية وعاصمها..ومن ثم الأدبيات التي تتخلق حوله..وتاريخ البئر منجم للتحولات..فمثلا يُقدم تحولا عظيما من خلال حسمه لمعركة بدر الفاصلة بين قوى النور وطاغوت الجهالة..وقد غدا هذا البئر رمزا لرحلة المريد في الصوفية والمليئة بالمشقة والمكابدة لبلوغ ماء الباطن/اليقين..وثمة قراءات تأويلية متنامية بلا حدود يمكن ولوجها من خلال قراءة البئر كرمز ينطوي بداخله على عددٍ لا نهائي من العلامات الدالة..البئر-على نحو ما- رمز لرحلتي اليومية نحو عالم المعرفة/اليقين..والمشوبة بالإشكاليات والدوائر المفرغة.
س/ الشعر..المقالة..النقد..القصة..الصحافة..التاريخ..أين صلاح عجينـة تحديدا؟
بالأساس..ثمة ارتيادات فرعية كثيرة يمكن التأسيس لها ويمكن أيضا أن تتدافع جميعها لخدمة ارتياد أصيل..هذا من زاوية ومن زاوية أخرى يمكن لسؤال ما أن يعالج من خلال أجناس أدبية عدّة..خذ مثلا ناصعا وهو بروز ظاهرة التقاء فعل الكتابة بفعل التشكيل..ورغم أن لكلٍ أدواته إلا أن ذلك لا ينفي أهمية المزاولين لهذين النوعين من الإبداع على أيدي الكثير من الأدباء الفنانين أو الفنانين الكتّاب..الذي أريد قوله إنها انشغالات كثيرة لِهمٍ واحد.
بالنسبة لي اعتقد - مبدئيا- أن ارتيادي الأصيل يمكث بين أسئلة الشعر..الانشغال الذي لا أتركه حتى أعود إليه في مدٍ وجزرٍ وكأنه قدري المحتوم.
س/ تحديدا ..من خلال بعض كتبك كـ[مطالعات وهوامش] هل تُقدم نفسك كناقد؟
كل شاعر هو ناقد لنصه ولنصوص الآخرين..بعض الشعراء يتوارى وراء المشافهة والبعض الآخر يكتب..أنا أحسبني ممن يقترفون صياغة انطباعاتهم حول الأعمال ولا أزعم أكثر..وبالنسبة للتقيّد بمدرسة ما لا أقف عنده كثيرا أثناء ارتكابي كتابة نقد ما وأحب أن أتكئ لمقولة قال بها اسكاربيت يوما وهي تحظى بإعجابي ونصها:[ثمة ثلاثة آلاف طريقة لارتياد النص الأدبي]..وأنا أقول ثمة أربعة آلاف وخمسة آلاف وعشرة آلاف وإلى ما لا نهاية..هذه طبيعة الفن بوصفه إبداعا..وأحب الاستفادة من الاطروحات والمناهج المختلفة قي النقد والكتابة وأميل لنقد النص بالأدوات التي يتيحها النص الذي تقوم عليه عملية النقد..أحب هذا ولا أدري هل هذا مجدٍ أم لا ؟..أحيانا أجدني أهتدي بحكمة لماكليش تنص بـ:[إن المرء في ميدان الشعر بحاجة إلى رائد ثقة..رجل رأي واستبيان ولن يكون هذا الرائد إلا شاعرا..أما النقاد فهم كمن يصنع خرائط لجبال العالم الذي يرونه..غير أنهم هم أنفسهم لم يتسلقوا تلك الجبال قط]..لذا لو وجد شاعر ما الناقد فيه سيكون عتبة يقين..سيكون عدما ظاهرا.
س/ ليس بعيدا عن النقد وعن مطالعاتك..أود أن أسأل لماذا هذا التهكم وهذه السخرية المبثوثة في كتاباتك والتي طالت حتى جيل الرواد في الثقافة الليبية؟
لو مثّل أحد الكتاب الرواد- القدماء - أصحاب الهيمنة والجلالة أو من في حكمهم أو من الصابئة عن عصرهم دور القالب ميدانيا في الفكر أو اللغة..وأراد هذا بسط نفوذه بسلطة التقادم كالدور الذي لعبه رجال الدين المسيحي حين اخترعوا صكوك الغفران..فإنني ولأجل الإيمان والشعر وليبيا سأمارس ما دعا إليه [أنسي الحاج] بالهدم الحيوي المقدس للتحرر من القوالب الجامدة..والتهكم إمكانية الهدم الأولى المتاحة لي وللشعراء الذين لا يملكون أكثر من أحلامهم العاهرة جدا..وهي إمكانية تستطيع خلق حالة تصدع حقيقية في جدران محميّة فقط برحمة الشعراء الحقيقيين المنشغلين في نحت نصوصهم.
س/ من المتعارف عليه أن السلاسل الثقافية تصدر عن مؤسسات ثقافية رسمية..فهل أنت من خلال مشروعك في إصدار سلسلتك للتوثيق الثقافي تطرح نفسك كمؤسسة ثقافية بديلة؟
كلا..لستُ مؤسسة بديلة..ولستُ شيئا بديلا عن أي شئ..ولست شيئا يذكر بالأساس!!..فقط قُمت بموائمة تتحصن بمجسّات تذوق وبذاكرة لنص له من الرطانة والعجمة كما له من الانتماء والإنشاد والتعبير..وما يجعل عددا من المثقفين الليبيين يؤسس لمشاريع كهذه هو روح المبادرة التي تسكنهم في ظل غياب حقيقي لمؤسسة ذات مرجعيّة فنية تلتقي فيها كل التيارات والأزمنة المختلفة والتناقضات..وحتى إن وجدت بعض المؤسسات فهي قصيرة العمر وصغيرة الأماني ومحكومة بعقول أفراد عقائديين أو غير ذلك..فخذ مثلا رابطة الأدباء والكتّاب كان يرأسها أحد المثقفين الليبيين وينظر إلى شعراء قصيدة النثر كقرود وكلاب ينبغي لجمهم ودحضهم..والمشكلة ليست في قناعته هذه..بل بالتصريح بقناعة مثل هذه عبر الصحف المقروءة والغير المقروءة..وهذا مثل صغير..لنماذج أخرى أكثر فزعا..ولا أريد أن أتورط أكثر في الإجابة عن هذا السؤال واكتفي بالقول أن هذه السلسلة التي أُتيح لي إلى الآن أن أصدر الجزأين الأولين منها ..هي بالنسبة لي تقع في خانة المشروعات الثقافية المحدودة البال والتي بدورها قد ترفد مشروعي الثقافي في مجمله.
س/  [ فالكتابة - في اعتقادي - لا تنطلق من سحق الهوامش وتجاهل المنطلقات الصغيرة إلى ما هو متن..بل للمتن وإن عظم أن يلتفت إلى هذا الهامش يستشرف أبجديته وحرقته..إسهامه كبدء..]هذا القول مثبت على أغلفة كتب سلسلة التوثيق الثقافي..فهل الذين كتبت عنهم والذين ستكتب لاحقا في هذه السلسلة هم من المهمشين أم الهامشيين؟
اكتفي بما قد يتناص وإجابة ما قد ترد في مقطع من نص لسنية صالح يقول:
لأن الحزن مشاع
والفرح مشاع
اخترت الجواد الأوّل
لأجوب العالم كما يحلو لي
تارة أسقط مع أوراق الخريف
وتارة أهيم كالبرق
في أعالي الشتاء.
س/ ما أجمل الكذب في الظلام..ما أجمل الكذب في الأقاليم!..من كتاب مطالعات وهوامش [ص:35] ..هل الأقاليم حقا عبارة عن ظلام وهل الكتابة كذب؟
لن ألجأ إلى منهج استسراري لأخفي رأي في أحاجي لسان..بل سـأقول..أجل الأقاليم التي هي المدن الريفية والقروية وما في حكمها وما دونها وما فوقها بالضرورة نوع من الظلام نوع من الظلام الذي له من الخيال الخصب الغولة التي ذهبت تحمرّ عيناها وتفزع الأطفال الحالمين!!والمبدع وسط الظلام الدامس إنما يمارس نوعا من النكاح مع صيغ بشرية قابلة للتحول إلى غولات في عز الظهيرة..وسوف لن تحمرّ عيناها فقط..بل ستُكشر عن أنيابها وتشمّر على ساعديها لتباشر مراسم الهضم دون مضغ..والثقافة التي تتصيّر في مثل هذا الفزع تصبح وحق السماء كذبا حقيقيا وعليه علامة امتياز..ذات مرة قرأتُ لشاعر يدعى على ما أذكر [عبد اللطيف خطاب] مقطعا اجتزأته من نص له..ثم قرأته كيف أريد وأهديته على غير ما يريد شاعره..أهديته لمثقفٍ يحاصره الكذب والظلام معا يقول..
[ومررت على الجحيم..وطبخوا رأسك بالماء المغلي
وأعادوا جلدك وطبخوك وأعطوك القُدرة
على المشي..وأعطوك القُدرة على تحمل العذاب].
س/ من المعلوم أنك ومنذ سنوات تؤسس لمحافل ثقافية أهلية مختلفة في مدينة الزاوية ومن بين هذه الإطلالات الجميلة هو نهوضك وزملاءٍ لك بإصدار ملحق ثقافي لصحيفة الراية الخضراء التي تصدر من الزاوية ومن بعد نهضت برئاسة تحرير صحيفة الثقافي التي هي امتداد للملحق المتوقف بذات الإخراج وذات الأبواب..أين الملحق وأين الثقافي؟..
باشرت وزملاء لي عن طريق المبادرة والكد بإصدار أعدادٍ من ملحق الراية الثقافي..وظل يوقف بقرارات مع صدور كل عدد..رغم عدم دعمه ماديا ولا حتى معنويا..وكُنّا نلجأ في كل مرة إلى شيخ بلدة الزاوية- منسق القيادات الشعبية الاجتماعية- ليتوسط لنا بمنحنا الإذن لمواصلة التنفس..حتى نفذ صبر الجميع وقررنا نحن جميعا أبناء الله والزاوية إيقافه..المسؤول الإعلامي بالمدينة- أمين الإعلام والثقافة- بقراراته اللذيذة والمُكلّف بصحيفة الراية الجديد آنذاك - رئيس تحرير- بكل لوازم العُرس والطبجية..وبدورنا نحن -أبناء الثقافة والحرية- قمنا بالانسحاب المطلوب-2002-..وبعد عام عاودنا الحنين إلى الورق الأسود واللعب بالعناوين والمقالات..أعدنا إصداره مستقلا عن منتدى ثقافي وهو جمعية أهلية..ومن المصادفات المثيرة بالنسبة لي أن يوم طباعته وأنا أعبُّ رزم النسخ المطبوعة منه في سيارات الأجرة داخل مطابع الثورة العربية بطرابلس كانت بغداد تسقط حقا لحظة بلحظة مع طباعة كل حرف..وأنا أعبُّ رزم الورق وألعن فصل الخريف والثقافة وأشياء كثيرة منها النيران الصديقة لي..وبعد صدور العدد الأول من الثقافي بشق الأنفس وبصيغته المستقلة صافحنا قانون المطبوعات الليبية العتيق هامسا في أذن كل منّا بأنه لا يسمح لأي مدينة بأن يصدر فيها أكثر من جريدة واحدة وجهة إصدارها أمانة الإعلام بالشعبية -إدارة البلدية أو المحافظة-.. وبهزيعٍ مديد يشقشق له قلب الحجر انصرفنا عن هذا المشروع الذي كان مثيرا بالنسبة لنا نحن كشبابٍ يتوثب لخلق طقسه الخاص..والإشكالية المؤسفة أن الذين أوقفوه لا يملكون مبررا علنيا واحدا أو حتى سرَّيا..وإن هذا العمل كان ثقافيا خالصا لوجه الثقافة..غير متعارض مع توجهات المجتمع الليبي وخياراته السياسية المطروحة..ألم أقل لك أن الثقافة في الأقاليم ظلام وكذب إلى النهاية!!..
س/ العديد من القراء رسم علامات تحفظ على مقالتك التي عنونتها بـ [الشيطان] والتي تقول مما تقوله فيها بالتشكيك في وجود الشيطان..هل تنفي وجود الشيطان حقا؟
إطلاقا..أنا أحيا وأنت وغيرنا في كل بلاد العالم ومحاط كلٌ منّا بشياطين لا حصر لها..وشياطين [الأُنس] أكثر فتكا وعددا..وأنا إذ كتبت ما كتبت إنما قصدت فقط نقد حيزه في الذاكرة الجمعية التي تترصدنا..فمرة أذكر أنني قرأت أن الشيطان قد خسر مساحة كبيرة من أراضيه فور اكتشاف الكهرباء...أرأيت بخبرٍ صغير أن الشيطان مرتبط في ذاكرتنا بالظلام..بالغيبيات..بكل الهراء..بكل الحقيقة..الشيطان الميتافيزيقي ليس بوسعي أن أنفيه..لكن هل كل الشياطين التي تحاصرنا هي ميتافيزيقية!!أرجوك اقطع أسئلتك بهذا الخصوص بسؤالٍ آخر إذا كنت ترغب في مواصلة الحوار!..
س/ في معرض حديثك عن إحدى الكاتبات الليبيات كتبت تقول:[إلا إنني كنتُ موقنا تماما بقيمتها الثقافية كرائدة باسلة بين كاتبات ليبيات هن أقل عددا من أصابع القدمين ]وتقول في موقع آخر[لقد تعوّدت أن ألتقي بالأنثى الليبية ككائن انهزامي..مضطرب النفسية..قزم الإرادة ليست له أهداف واضحة..أنثى تجلس على سنم البحث عن زوج]..ألا ترى أنك بالغت في إهانة المبدعة الليبية ؟
قمتُ بتوصيف راهنها..ولم أقدم لها أية إهانة تُذكر..فلو كان التوصيف يضعها في موقف مهين..فهذا ليس من مسؤوليتي على الإطلاق..وأنا أقف وأدعو الله لها بالأماني السعيدة..وأن يُسدد خطاها ويمنحها قدرا من الثقة والتفاعل مع الحياة بشكل يليق بها لاحقا..ولكن العقل الجمعي في ليبيا يختزل قدرة المرأة في استحواذها على رجلٍ ما..والمثل الشعبي الليبي يقول:[شهادة المرأة رجل]..أرأيت!!.
س/ أخيرا من خلال صخبك الأثير بالنسبة إليك..هل تسعى إلى الإثارة والنجومية؟
طيّب..سأقول لك قبل أن تسألني..أقصد حتى يكون سؤالك سليما..وفّر لي السماء والظلمة والنجوم المنافسة وضوء القمر حتى أمتحن نجمتي أمام الملأ..ألا ترى أن ذلك أقرب للصواب!!..
 
 
نشر بصحيفة ليبيا اليوم-الخميس, 31/3/2005.