لقاء
مع د. محمد وريث
حـوار: صـلاح
عجينـة
س/ من
المعروف أن المشروع الفكري للدكتور محمد وريث هو دراسة التراث العربي والعناية بنقد
المغالطات التي دوّنت في السجل التاريخي لهذا التراث ترى لماذا هذا التوجه؟ وهل
للدراسة الأكاديمية الدور الأساسي لهذا التوجه؟
الكاتب/
هو ليس مشروعاً فكرياً بقدر ما هو إيمان بأن الأمة العربية أمة عريقة أنتجت تراثاً
عريقاً وحضارة ذات أصالة لأنها أنبتت على القيم ومبادئ الأخلاق.
وهذا
الإيمان ولّد لديّ اهتمام بل وعشقاً لتاريخ هذه الأمة منذ عصورها ما قبل الإسلامية،
ولذلك فلا يمكن أن نسمي هذا توجهاً، وإنما هو - كما قلت إيمان ولد اهتماماً وعشقاً
وعلى العاشق المهتم أن يدأب ويعمل قدر جهده للحفاظ على هذا المعشوق وتقديم الأدلة
والبراهين العملية التي تثبت عشقه الذي وصل به حد الوله.
أنا إذن
عاشق ولهان للأمة العربية تراثاً وتاريخاً وقيماً وأخلاقاً.
وأما
الدراسة الأكاديمية فقد ساعدت على ترسيخ هذا العشق وعلى تطويره بامتلاك أدوات البحث
العلمي والمرجعيات المعرفية.
إن أخطر
ما تعانيه ثقافتنا العربية بصفة عامة هو داء المغالطة المتأتية عن حسن نية أو عن
سوء نية متعمدة، ثمة فريقان: هذا يغالط عن جهل.. أو عن تعصب فيضيف، إلى التراث ما
ليس فيه، أو يبالغ في تعصبه.. كأن يقول أحدهم أن العرب هم أعرق شعب في التاريخ..
وأن آدم عليه السلام كان عربياً.
من هذا
المنظور أو النظرة المتعصبة المغالطة إذن نقول ما دام آدم عربياً فإن جميع شعوب
العالم عربية.. وكل سكان البسيطة عرب.. بمن فيهم الاسرائليون الذين اغتصبوا فلسطين
ويقتلون شعبها هذه الأيام. فما داموا عرباً وفق هذه النظرة المتعصبة الخاطئة التي
تجعل آدم عربياً.. لماذا نحاربهم ولماذا نعاديهم.. إنهم أخوتنا في العربية أو
العروبة وأرضهم أرضنا ولتمنح لهم فلسطين حلالاً عليهم.
والفريق
الآخر الذي يغالط متعمداً من أجل الإساءة للعرب من خلال تاريخهم وتراثهم.. وهذا
الفريق يتكون أعضاؤه غير المرئيين من عرب للأسف.
كيف يكره
عربي عربياً آخر.. وكيف يتنكر عربي لتاريخه وينكر على أمته حضارتها التي كانت تملأ
الأفاق ولعدة قرون.
س/ مما لا
يدع مجالاً للشك أنك تكتب بجرأة وتتناول مسائل غاية في الخطورة كتلك التي تتعلق
بالأحاديث النبوية كيف يكون تعاملك مع مثل هذه القضايا؟
الكاتب/
إذا كان في هذا جرأة.. فقد أتتني من كوني اعتنق المبدأ الصحيح.. فأنا أحكّم عقلي
عند مناقشة القضايا التي تتعلق بالدين سواء الأحاديث النبوية أو القرآن الكريم..
وأنا أعرف اللغة العربية وفي كثير من الأحيان أقرأ القرآن الكريم.. لأتدبر معانيه
بعيداً عن سيطرة كونه كتاباً مقدساً.. أقرأه كأي كتاب.. وفي كل قراءة أكتشف شيئاً
جديداً.. نعم القراءة المتدبّرة تفعل ذلك.
أما
بالنسبة إلى الأحاديث النبوية فإن الكثير منها منسوب إلى الرسول الكريم وهو ليس
له.. زوّروا كثيراً من الأحاديث ونسبوها إليه. ولكن أحاديث الرسول الكريم يمكن
تمييزها من بين كل الركام المنسوب إليه.. لأنها تمتاز بسحر البيان وفصاحة اللغة
وسلاسة العبارة، وبالحكمة التي يهدف إليها الرسول الكريم ويريد توصيلها إلى الناس
ومن يستطيع أن ينكر أن هذا الحديث للرسول الكريم.. أنظر الإيجاز والعذوبة في قوله
عليه السلام "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" وانظر قوله الرائع "من رأى منكم
منكراً فليغيره بيده.. فإن لم يستطع فبلسانه.. فإن لم يستطع فبقلبه.. وذلك أضعف
الإيمان" وتأمل قوله أيضاً "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". أنا أريد
الإلهام في تنقية الدين من الشوائب ومن الأوهام ومن الخرافات ومن الشعوذة التي
انحدرت إلينا من عصور الظلام والانحطاط، نحن في الألفية الثالثة التي ما عاد فيها
مكان للسذج والبلهاء والمغفلين والذين على تفكيرهم وعقولهم أقفال
صدئة!؟
س/ في
إحدى مقالاتك كتبت مقالة فازت فانتباهي كثيراً لأنها تطرح إشكالية النقد وعلاقته
بالمجتمعات الأهلية وهي مقالتك "موقف وموقف" ترى كيف يتسنى للناقد أو الكاتب أن
يطرح وجهة نظر موضوعية في مجتمع العلاقات الاجتماعية المربكة؟
الكاتب/
الذين يكتبون خواطرهم وانطباعاتهم حول ما يقرأون من أعمال وخاصة الذين تربطهم بهم
علاقات صداقة كثيرون وكثيرون جداً وهذا ليس نقداً بأي حال من الأحوال الناقد يجب أن
يكون شخصاً محايداً ومزوّداً بالموهبة النقدية وبالعلم أيضاً وبالثقافة العامة
الواسعة وهذه معايير ليست متوافرة في الساحة الليبية بل حتى في معظم الساحات
العربية للأسف. ولذلك يصدق القول بأن حياتنا الأدبية تعاني من فقر مدقع في النقد
الحقيقي..،
س/
الحداثة تكاد تصنع فضاء خاصاً مع مواقف محمد وريث منها. في هذا الحوار هل لك أن
توجز للقارئ مفهومك للحداثة وموقفك منها؟
الكاتب/
بالنسبة إلى الحداثة يجب أن أصحح صيغة لمصطلح التي جاءت على هيأة المصدر الصناعي
ولذلك لابد أن نقول "الحداثية" مثل التجريبية والتركيبية والبنيوية وكذلك
الرومانسية وغيرها.
وأنا لست
معادياً للحداثية ولا عدواً للكاتبين أو القائلين بها ولست أيضاً رافضاً لها.. إنهم
يقولون عنها "تطور وتطوير" هذا شيء رائع ولا اعتراض في ذلك.. اعتراضي فقط في أن يمر
أي كاتب أو قائل بما سبقها من مراحل.. وأنا أقبلها بترحاب كبير من شاعر مثل علي
صدقي عبد القادر فقد كتب الشعر التقليدي وكتب الشعر الحر أو شعر التفعيلة الذي تخلى
عن القافية وله في النوعين قصائد جميلة وكثيرة.. وهو حر في أن يكتب على منوال
"الحداثية" ويقول على نفسه أنني تطورت لأنه مرّ بتجارب قبلها أنضجت موهبته على مدى
حقب طويلة.. حر في أن يكتب بأي طريقة وهو مسؤول عما يكتب.. مسؤول أمام نفسه وأمام
القراء وأمام التاريخ كذلك لمن سيأتون بعدنا في المستقبل ومن هنا وبصفتي عضواً في
لجنة الاختيار الدائمة لجائزة الفاتح التقديرية للآداب والفنون لم أجد غضاضة في طرح
اسم علي صدقي عبد القادر للجائزة ولم يقم أحد غيري بذلك وقد قبل الاقتراح وفاز
الشاعر بالجائزة.. ولو كان لي موقفٍ معادٍ للحداثية ما فعلت ذلك، لكن الأمر يختلف
عند الذين لا يعرفون حتى عدد بحور الشعر العربي التي استنبطها الخليل بن أحمد
الفراهيدي من الشعر العربي قبل الإسلام وحتى عصره في القرن الأول الهجري.. لا يحق
لهم أن يقولوا تطورنا وطورنا.. ماذا طوروا، لا شيء ومع ذلك فعندما كنت مسؤولاً أول
في بعض صحفنا.. وخاصة عندما كنت رئيس تحرير صحيفة (الجماهيرية) أفسحت المجال لكل
كتاب الحداثة.. بل قال لي أحدهم كنا نراهن على أنك ستمنع النشر لكتاب الحداثة وقد
خسرنا الرهان هكذا قال.
وقد
قلت له موقفي من شعر الحداثـة موقف نقدي.. موقف فني شخصي.. وأما الصحيفة فهي ملك
للجميع وتفتح أبوابها للجميع وصفحاتها للجميع أيضاً ويجب أن تنشر لكل الحداثيين..
وإذا كان لي من رأي فإنني أبديه بعد النشر أكتبه فيما بعد..
لكنني
أريد أن أتساءل كم قصيدة حداثية حفظها الناس ورددوها.. لا شيء.. ونعجب لماذا يحفظون
الشعر الموزون المقفي ولماذا يحفظون الشعر التفعيلي الذي بلا قافية.. لأن فيهما
وزناً ونظاماً على هذا فطرت.
وكذلك فإن
الشعر الموزون يأتي الشاعر إلهاماً أو كالإلهام.. يتدفق تلقائياً دون تبييت سابق..
إنه لا يجلس ويقول إنني أريد أن أكتب قصيدة على بحر من البحور.. والآن هذا يستعصي
عليه ولا يستطيعه.. وإذا كتب فسيكون نظماً مجرداً من الشعرية.
لكن
الحداثيين يفعلون ذلك وهذا ليس شعراً ولهم أن يسموه أي شيء آخر غير
الشعر!؟
س/
الحقيقة الحوار معك قد لا يسعه ملحقاً آخر كاملاً في قضايا الأدب والفكر وأيضاً على
صعيد المغامرات الصحفية ورحلات الاستكشاف.. لكن بمنهج الالتماعة كيف تستطيع أن تسرد
للقارئ شيئاً عن تلك الرحلات؟
الكاتب/
بإيجاز جداً.. أقول.. في عام1971 ف كان لي شرف زيارة الثوار الاريتريين في أيام
نظام هيلا سلاسي وقد أمضيت معهم زهاء شهرين.. وكانت تجربة جميلة وممتعة على الرغم
من بعض المشاق والأخطار التي صاحبتها.. وقد كتبت حصيلة رحلتي في سلسلة من
التحقيقات، المصورة نشرتها في "الحقيقة" لعدة أسابيع بصورة يومية.. وفي عام 1976
كان لي شرف زيارة ثـوار "فطاني" الذين يكافحون منذ سنين طويلة ضد الاستعمار
التايلندي الذي يدعي أن الأرض الفطانية وشعبها المسلم بكامله هي جزء من تايلندا على
الرغم من أن "فطاني" من أوائل مناطق جنوبي شرق آسيا التي دخلها الإسلام. وكانت دولة
مستقلة منذ منتصف القرن الرابع عشر وتتخذ الإسلام ديناً رسمياً لها منذ ذلك الوقت..
ولكن الأطمـاع الاستعمارية التايلندية شاءت أن تحتل تايلند "فطاني" لمجرد أنها
ملاصقة لها من جنوبها "تقع فطاني إلى شمال ماليزيا وجنوب تايلند".
وقد نشرت
تفاصيل هذه الرحلة المصورة على صفحات صحيفة "الجهاد" التي عملت سكرتيراً أميناً
لتحريرها في ذلك العام ثم صدرت في كتاب عام 1978.
وكان ذلك
العام 1976 من الأعوام التي لا تنسى.. فقد سافرت أيضاً إلى لبنان وبقيت مع
الفدائيين الفلسطينيين حوالي خمسين يوماً وتابعت أخبار نضالهم عن قرب ونشرتها أولاً
بأول ويومياً على صفحات "الجهـاد" عبر رسائل هاتفية عندما كان البريد اللبناني
بمختلف مرافقه تحت سيطرة الفدائيين الفلسطينيين والقوى الوطنية اللبنانية الصامدة
وكان لي شرف الالتقاء بالشهيد خليل الوزير "أبو جهـاد" ومصاحبته في الخطوط الأمامية
في منطقة "كيفون" حيث كان مثالاً للمجاهد القدوة الذي يتساوى في شرف النضال ويسوي
نفسه بأصغر مقاتل يشارك الجميع طعامهم ومكان نومهم وراحتهم ولا زلت أذكر "أم جهـاد"
وهي تتردد على موقف القيادة في "كيفون" تلتقي بأخوات وبأمهات وبنات المقاتلين تحل
مشاكلهن وتساعدهن في تذليل الصعاب التي كانت تعترض حياتهن.
لقد تعلمت
طوال حياتي الأدبية والصحفية والتي من ثلاثين سنة أن أسهم في قضايا أمتي العربية
وقضايا وطني.. وكنت ومازلت أومن أن الصحفيين الغربيين ليسوا أكثر كفاءة من الصحفيين
العرب وأننا قادرون على اقتحام المخاطر من أجل أداء واجبنا الصحفي الإنساني والوطني
والقومي ومن أجل ذلك كانت رحلاتي إلى اريتريا وفطاني ولبنـان.
س/ تعمدت
أن أجعل هذا السؤال الأخير الذي أنهي به الحوار وهو تجربتك الشعرية تعرضت لإخفاء
واضح رغم نضجها وأن من شيء قلّص من مساحة توهجها هو محمد وريث الباحث
الناقد.
الكاتب/
تجربتي الشعرية هي ضحية لتطوري الثقافي أو تطور مراحلي الثقافية فعندما اتجهت إلى
البحث الأدبي والنقد صرت أنظر إلى شعري بعين الناقد الذي لا يعجبه شيء، وهذه
إشكالية، أو قل نظرة متجنية إلى شعري لم أتخلّص منها بعد ولا أظنني سأتخلص
منها.