الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
  حوار مع الشاعر صلاح عجينــــــــة
 
                                                          حاوره / صديق الحلو      
 
من إصداراتك الشعرية [ قريبا من ناصية البئر والتحوّل] ألا ترى من خلال توقك لصياغة مشروع شعري أن زمن الشعر قد مضى؟
طبعا لا, ولو كنت أرى ذلك لما أقبلت على هذا المشروع المضني, وماذا يعني زمن الشعر بالضبط ؟! أجل ماذا يعني زمن الشعر؟!عادة ما نطالع في الصحافة العربية وعبر المحافل المختلفة, وفي كل مكان ومقهى شجونا تنتهي بالتحسر على أزمنة الشعر, ولطالما كان ذلك عند الحديث عن النصوص المشوّهة والشعراء المزيفين, ولكن طالما أيضا ننسى أن هذه الظاهرة ليست معاصرة إنها قديمة, وأن الشعراء الذين نحتفي بهم والقصائد التي نقف عندها كشعر, والمصدّرة إلينا من أزمنة مضت هي فقط خلاصات الشعر وأيقوناته التليدة, إذن أستطيع القول أن كل الأزمنة هي أزمنة للشعر, وبما في ذلك زمننا هذا..فهل ستقول لي أن هذا الزمن زمنٌ بشعٌ..حسنا إن كل الأزمنة بشعة إذا أردت تحقيق إمكانية لهذه الفكرة الحزينة, وكذلك كل الأزمنة يمكن أن تكون للشعر!!..إن لحظة الشعر القدرية تقع خارج أوصاف الأزمنة والأماكن!!هل هذا أمرٌ صعبٌ وعسيرٌ..أنا أعي ذلك, لكنه ليس مستحيلا على الشعراء, وهم يتدافعون لإزاحة النفايات عن أزمنتهم وأمكنتهم.        
س/مطالعات وهوامش كتاب يعنى بنقد عددٍ من نصوص الأدب الليبي..أتعتقد أنك قلت ما تريد قوله كما تريد؟
أنا من أولئك الذين لا ينظرون بزهاء لما يقترفون من كتابة, لذا عنونت هذا الكتاب مثلا بـ [مطالعات وهوامش], فمطالعات: تعني قراءة إضافية, وتعني أنني لا أنقد النصوص, بل أقراؤها بصوت يشاركني فيه المتلقي, وهوامش كأنني أود من خلالها أن أشير إلى أنني أمارس تحرير النصوص وجدولتها وفق رؤيتي لها فقط.. أنا كاتب نزق وعابر وأنثر أفكاري شعرا ونقدا كما يتهيأ لي, وأعتقد بذلك أنني أعي ما أود قوله, وبالتالي أجل أقول ما أريد قوله في جميع الأحوال.
س/ هل ترى أن الغزو الثقافي والعولمة يشكلان خطرا على الثقافة العربية ؟
لم يعد مجديا الحديث عن مثل هكذا موضوعات, فالثقافة العربية إذا كانت تملك أحقيتها التاريخية كما تملك حقيقتها اليوم فهي بالتالي لا خوف عليها, وفي كل الأحوال لابد أن تنفتح هذه الثقافة على كل شيء, فليس ثمة شيء يمكن حجبه للذود عنها في عصر حريات الأشياء.
س/ كيف تنظر لدور المثقف العربي في تغيير المجتمع؟
المثقف العربي لم يعد لديه ما يُغيّره, فالمجتمعات العربية أصلا لا تتغير, وإن تغيرت فللأسوأ, المثقف العربي مقيّد ومهزوم أمام كل شيء في مجتمعه الذي لا يجتمع أبدا إلا في تحطيمه وقهره كنقطة وعي, المثقف العربي يتم شراؤه قبل أن يكون مثقفا, وإن أبى فسيظل معزولا ومنسيا مثل أي شيء لا يذكر, فعن أي تغيير تتحدث يا أخي, اللهم إلا إذا كنت تتحدث عن مساهمته في حملات قهر الأميّة والتوعية الصحية, ثم إن الثقافة في العالم منذ أن صارت تتخلّص من الضخ الأيدلوجي لم تعد تعتمد أهداف التغيير في أجنداتها وبرامجها.
س/ في فضاء ثنائية المثقف والهويّة - ألا ترى معي أن الشعراء هم حرّاس الهويّة الأوائل؟
كم أتمنى لو كانوا الشعراء حرّاس مخيلتهم فقط, لكن ذلك لا يتم لوحده لأن المخيلة وآلية التفكير تعتمد على اللغة التي هي عَظم الهويّة وعظمتها, لكني أود الإشارة أن الشعراء هم حرّاس استثنائيون, لهم دروسهم المقنعة في وضع الأمور في نصابها الصحيح أثناء زحمة الأفكار والشعارات, وعلينا أن نسأل لماذا دائما الشعراء لهم خصيصة أن يكونوا رسلا مقبولين, هل لأن كل اشتغال ينتحه الشاعر ينطلق من المشترك الإنساني ومن الجمال؟!!
س/هل من فاعلية للمثقف العربي إزاء الراهن المهيمن على مفهوم التلقي؟
سؤالك ينضوي على فكرة مهمة, ألا وهي الهيمنة على مساحات التلقي, وعلى أدواته, وأرى أن فاعلية المثقف تكمن في مواصلة تقديم النماذج الكبرى من النصوص ذات الحرار لتشويش الذاكرة القديمة وإعطابها, ومن ثم اكتشافها من جديد وفق رؤية تؤسس لاستزادةٍ من الشمس, وليس رؤية تلعن الكواكب.
س/ هامش الخطاب الثقافي العربي والسلطة..هل هو كفيلٌ+ بأن ينتج أسئلته؟
لماذا دائما نمر بالمصائد ولا نصرخ ونحن بإزائها..وإلا ما معنى كلمة (هامش) لماذا تظلّ السلطة هي وليّة الأمر الأبدية لكل ما يتصل بحياتنا..فمهما منحت السلطة من مُنح تحت مسمى حقوق أو حريات إذا ما تم بهذه الآلية فالأمر مغلوط, ذلك لأن الخطاب الثقافي في أقسى ممارساته يُعد ولدا عاقا, يرفع صوته أمام وليّه, وقد يستحق الطرد من البيت, ولأن السلطة العربية من أساسها وبكل أطيافها يصفتها سلطة غير شرعية لذا تمارس كل طروحات الأبوية, سواء كانت هذه الأبوية في معناها الاجتماعي أو الديني أو الإقطاعي لقهر أبناء لم ينتسبوا إليها أصلا, ولم يؤكدوا الصلة بها بالأساس.
س/ بكلمة ما الذي توجزه من الإشكالات والمشكلات بين المثقف والديمقراطية في واقعنا العربي؟
أولا ماضي هذه العلاقة لا يقدم أكثر من عقد مفتت من عصور مختلفة يمكن قبوله في مناسبة الحديث عن العدالة الاجتماعية, والتي هي أحد أهداف الديمقراطية ومساعيها الملّحة.
ثانيا أن العين التي على الأرض العربية رصدت ما تنوء قوافل العرب منذ الخليقة وإلى يومنا هذا من خيبات وأحزان, من مثقفين يموتون على أرصفة الغبن والتآكل نتيجة مناشدتهم للديمقراطية وشعاراتها المختلفة الصياغة.
ثالثا أن المواطن العربي لا يثق أصلا في الشعارات والنضالات التي تقدم له تحت مظلة الديمقراطية, إننا مثلا نفتقد للنموذج الديمقراطي في الحياة العربية.
رابعا والأهم أن المواطن العربي أصلا مواطن يمكن أن يمضي دهرا بحاله في الحديث عن الديمقراطية, لكنه في ذات الوقت يفشل في أول اختباراتها, حتى يواجهنا السؤال التقليدي.كيف يكون المرء عربيا وديمقراطيا؟!.
س/ أين تقف رؤاك بالوعي بالضرورة القومية؟
أترك الأمر لمناقشة الضرورة القومية إلى وعي القومية ودرسها من خلال النصوص المنتجة, والوعي بالقومية بالنسبة لي هو الوعي باللغة وإشكالاتها, والمناطق التي تشهد احتدام الانفصال القومي إنما تبدأ معركتها في ميدان اللغة كما تنتهي فيه, حتى أن رسولنا الكريم محمد يقول في أحد أحاديثه ( من تكلّم العربية فهو عربي) ما يدل على أن اللغة تُعد المشترك الأكبر الذي تقوم عليه القومية في مقابل العِرق واللون وغيره من الصفات البيولوجية..
ووعيي الخاص بالقومية العربية ينطلق من أن القومية العربية مشروع حضاري يتسع لحوار العالم بأسره, وربما اكتسبت ُ الكثير من التسامح والانطلاق مع الآخر في قراري الداخلي من خلال الشعر, ولكن عروبتي أيضا مهماز أصيل نحو هذا الحوار, وهذا القبول, وذلك كما أسلفت لأن عروبتي أنظر إليها كمشروع حضاري أخبئ+ فيه كل المتناقضات والأهواء والشعر أيضا.
س/كمثقف عربي وكشاعر من شعراء قصيدة النثر, بمنهج ورؤية..ما هو موقفك من التراث العربي؟
أخص من التراث هنا الشعر, وأقول أن المدونة الشعرية العربية تهمني إلى النهاية, وهذا كلام طبيعي ومعقول جدا, ويمكن قوله والتأكيد عليه على طول الخط, وأضيف هنا أنني أختلف مع بعض الشعراء النثريين, وإن كانوا عظاما وهم كذلك في رفض بعضهم المطلق ما يتصل بهذا التراث, ومنهجي أنني أقف مع التيار التحديثي الذي يطول الشعر العربي, لأن كلٌ في بلده يواجه هذا النخير وهذا الاجترار الذي يُكتب اليوم وشرعيته الوحيدة محاكاة النصوص الكلاسيكية والتدليل عليها, ولكن ذلك الطَول لا يمتد إلى إلغاء الذاكرة الشعرية في المطلق فهذا عمل غبيّ, والسؤال الأهم كيف تكون لشاعر الحداثة رؤيته النافذة لقراءة هذه المدونة العريضة, وإعادة تقديمها للمتلقي العربي بما يخدم المشروع التحديثي, هنا بالضبط تكمن عظمة المشاريع الثقافية الكبرى.
س/ هل ذلك يؤدي بالضرورة إلى تحولات في الوعي بالجمال؟
ذلك هو الهدف المنشود والتحولات المقصودة, هي تلك التي تواكب تحولات الحياة العامة داخل المجتمع تلك التي تترك أثرها في الحياة مباشرة, المناخ التأملي والقرائي بخلاف الشعر الخطابي الذي يدفع متلقيه نحو خيبة الأمل, لأن الخطابية أحد أهداف القصيدة القديمة تنطلق من الحنجرة بدلا من العقل, وهكذا دواليك يمكن رصد التحولات المتبادلة بين القصيدة المنشغلة بالتحولات وبين الحياة.
س/ بما تفيض ذاكرتك عن المشترك بين الثقافتين الليبية والسودانية ؟
أنا لست خبير علاقات دولية أو موظفا بالشؤون الثقافية بالخارجية الليبية, أنا شاعر عربي متوسطي والشاعر السوداني شاعر عربي أفريقي, بالتالي بداهة أن الثقافة العربية هي الخلفية الحضارية والآنية والمستقبلية التي ننطلق منها جميعا, وإذا كان ثمة من رئتين فالقلب واحد, والسلام على من اتّبع الهدى.