حوار
إذاعي
حاوره:ربيع
شرير
نحاول أن نسمو في هذه الحلقة إلى مصاف التميز باستضافة
شاعر وكاتب عرفناه من الكتّاب المؤسسين للصحافة الأدبية في منطقتنا, وعلى صعيد
المناشط لازال ركيزة من ركائزها, فقد أشرف على الكثير من الندوات والأمسيات, كما له
الحضور المتميز على مستوى ليبيا. كاتب طالعنا له العديد من النصوص والمقالات, عرفته
منذ البدء قارئا نهما, ومحاورا مشاغبا ومثيرا للجدل, ذلك لأنه صلاح عجينة..وعن
نظرته للشعر ولتجربته فيه نحاوره عبر الأثير..
س-
أولا لو تطرقنا للنشأة الأولى والثقافة الأم, فماذا تقول عنها؟
بداية أي تجربة ثقافية غالبا ما تبدأ منذ الطفولة,
وتستمر وملاذها الأوليّ البيت والأسرة, ففي أسرتي كانت الاهتمامات المبكرة بالثقافة
عموما, ومن هذه النقطة لازلتُ أتقوّت بالاستمرارية لأتواصل مع الثقافة كفعل
شهوة.
س-
إلى جانب الأسرة لطالما هناك مؤسسات شبابية وثقافية تدعم البذرة الابداعية, متى
اندرجت في مثل هذه المؤسسات, وما هي تحديدا ؟
النشاط المدرسي كان أولا, ولم يكن ثانيا أكثر من
انضمامي لحركة الكشافة, والتي لازالتُ أمارس فيها نشاطي, فأنا كشفي أولا وأخيرا,
وبالإضافة إلى ذلك انضممت إلى منتدى الشباب للثقافة والفنون مع بلوغي مرحلة التعليم
الثانوي, وهو فضاء انزحت إليه بوهمٍ جارفٍ, وكذلك بعض الفضاءات الأخرى, والتي حاليا
تشكل أجنداتها الثقافية جزءا من نشاطي كرابطة الأدباء والكتّاب, وكفضاء الشعر
والقصة, وكجمعيات بيوت الشباب الليبية وغيرها من الاهتمامات العابرة, والتي أجد لها
بين الفينة والأخرى أوراقا وبطاقات هي بمثابة شهادات عبور ي نحو
الـ....
س-
هذه المؤسسات التي تحدثت عنها, ما دورها في بناء الشباب الموهوب
عموما؟
أولا
هي لا تبني الشباب بل تنميه هذا طبعا إذا أدّت دورها حسب الأهداف التي تطرحها,
فالإنسان ينمّى, وهي يقع عليها عبء تعزيز الروح الوطنية وغير ذلك, لكن أغلبها
للأمانة هي مجرد أختام وبعض الحجرات في أفضل الظروف, لذا دائما نحب أن نسميها
بفضاءات, لأن لفظة مؤسسات كلمة أكبر من واقعها, ومما نراه في هياكل كسيحة, وفي
الواقع ممكن أن تحدث استفادة ما إذا قصدها شاب ما بوعي, أما هي فلا تأتي لأحد, وهذا
في حد ذاته خلل أساسي في أدائها تجب الإشارة إليه.
س-
بعيدا عن هذا, كيف بدأ ميولك الثقافي والأدبي؟
هذا
سؤال صعب, عموما ما يمكنني قوله كيف يمكن للفرد أن يكتشف ميوله الحقيقية دون عدوى,
والحقيقة أن مجتمعنا يعاني من حمّى التقليد والمماراة في مسابقة لخلق نسخ كربونية
آدمية تتقاسم ذات الثياب , وعندما ترفض تبني الآخرين في مسيرك الدنيوي في مجتمع
كربوني فإنك ستعاني ويتحول كل شيء إلى خصمٍ مريع, أنا أؤمن بأن تبني الآخرين إن لم
يدفع بك إلى الفشل, فلن يقودك إلى نجاح حقيقي.
س-
كلام البرق المجموعة التي تتنصل من كونها شعر, نقول لماذا لم تجنسها, هل أنت ضد
التجنيس؟
الشعر سؤال ضميري, وجداني, سؤال تمرد, والشعر مازال
أكبر, سؤال مزعج-كما يقول إليوت- إن شعر بليك مزعج شأن أي شعر عظيم, فهو بهذا
يشير إلى أن الشعر أكبر من أي تعريف.
س-
وقادتك الشجون, وقادك التمرد, إلى تسمية غرائبية, كلام البرق, فلماذا كلام
البرق؟
البرقُ هو الظاهرة الطبيعية الأقدر أو الأكفأ للرمز عن
عصرٍ متسارعٍ مكهربٍ.. البرقُ وحده الكفيل بأن يضع مفهوما للسرعة بالمعنى الذي من
شأنه أن يرسخ مفهوم الحياة ويُسهم في وضع مفرداتها بطرح مشحون بالمثالية المرجوّة
وقد ألحقت به لفظة [كلام ].. لأنني أستطيع بإيمان أن أقول عنه أنه كلام.. ولم أبث
في تجنيسه!.. فهذا ليس من شأني وأنا لست مدعوا إلى نقاش مثل هذه الأمور !.. فقط كل
الحكاية أنني أكتب عن ما يعبر عن القيم والمفاهيم التي أؤمن بها بمعزل عن الخوض في
قضايا وهموم الجنس الأدبي.. فأنا لا أتصالح مع الشعر لكونه شعرا لكنني أبني هذا
التصالح لأنه في لحظة التصالح نفسها يكون الشعر- مثلا- الأقدر استيعابا لما أريد أن
أقوله!!.. وبعد كل هذا أغمس أوراقي بحروفها وبقايا بقع الحبر المتناثرة على الأوراق
بنصوصها في إناء يفيض بما يجتاحني.. ولا أتركها للهواء حتى أوقن تماما بأنها تتمتع
بحالة جيدة من الفوضى والعبث معا والمنصوص عليهما في ذاكرتي.
س/
هل يوجد لديك ميول لمدرسة شعرية ونقدية ما؟
سأقول لك أنا لأعرف هذه التيارات والمدارس إلا في
سياقها التاريخي - بمعنى أعرفها من ناحية معلوماتية ولم أفكر أبدا.., كما لا يفكر
أي كاتب - في اعتقادي - إن ينضم لأطروحة فكرية تتسم بالجاهزية.. وإنما يكتب ويأتي
الآخر ليقول هذا الكاتب يتماس مع الكاتب فلان أو مدرسة كذا ويأتي الآخر ويُحيل
استنتاج الأول جانبا ويفترض فرضا آخرا, وهكذا..أما عن [كلام البرق] وعن جملة
الكتابة التي أنسجها فقط أحاول إحالة الخطاب المنبري جانبا ومحتفيا
بالقضايا-الهوامش- التي انشغل بها بطرح قد يكون ضبابيا..لكنه حي-كما يبدو لي- في
وجدان ذاكرة اليوم الذي من سماته طرق الإسفلت وإشارات المرور والنظارات
الشمسية..وسأظل غير مبالٍ بكل ما من شأنه ينطوي على قدامة وكلاسيكية, و في
كثير من الأحيان لم أفرط في استثمار لحظة الحداثة بكاملها, وذلك لعوامل مجتمعية
تلقي بظلالها على أي منجز إبداعي تشكل هذه العوامل مساحة له على الجغرافيا.. فمثلا
- لا أستطيع أن أمرر فكرة الشجاعة في كتابتي واستحضر لهذا المفهوم خيول وفرسان
وسيوف وصياح وصهيل وبعد كل هذا أحتاج أن امتلك حنجرة شديدة الوطأة كي تصيح وتصرخ
بكل هذا!..ذلك أنه مفهوم الشجاعة نفسه نشاز وغريب عن ذاكرة اليوم..نحن في عصر يتسم
بانفتاح كل شيء على مصرع الأسئلة المتتالية..وقد تخلّى هذا العصر- لضرورات التطور
وارتقاء الذائقة الإنسانية عن مثل هذه القضايا- فمسألة الشجاعة والصهيل بإمكانك سبر
كيانها من خلال استدعاء ملاحم [هوميروس] أو معلقة [عمرو بن كلثوم] هذا من ناحية..من
ناحية أخرى أن الصراخ انسحب من دائرة الفن وصار يمارس في [هايدبارك] أو
في[الخلاء]..أقصد أن كل هذه الأمور صارت خارج نطاق حياتنا الإنسانية اليومية
الطبيعية بالتالي فإن أي تعبير يستمد قضيته أو أطروحته من سلفية ما..فإنه حتما لن
يكون إلا مشوّها ومرفوضا من بعد..وبل وغير صادق بالأساس..تماما هذا ما أردت
قوله.
س/
إلى أي حد يمكن للشاعر أن يؤمن بمنهج الغرابة أو يعول عليه في طرح قضاياه!! ثم هل
الغرابة تقليعة يمارسها أو يعيشها بعض الكتّّاب في نصوصهم كي يداروا عجزهم في تحقيق
حالة من الإقناع عند الآخر؟.
دعني
أقول أن عالمنا اليوم متحف من الغرائبية ومسرحا للامعقول..لذا فمفردة [غريب]
بالنسبة لي مصطلح طوباوي..مبهم, أعجز عن تحديد أبعاده الفكرية والخُلقية
معا..بالتالي فإن أي تعامل مع النص يخلو من منهج الغرائبية حتما سيكون مزيفا هذا
أولا.أما إذا اعتبرنا أن الجديد هو الغريب عن ماضيه..فهنا تبدو الغرابة ملجأ وملاذا
من سيرة ظلام يركن في جعبة قاتمة مكتوب عليها بالجير أنها نتنة لا تطاق..ولا يمكن
لها أن تكون مقبولة إلا إذا انزوت في سياقها التاريخي..واكتفت بأن تؤرخ
لأيامها..ولا طموح لها الآن سوى كونها شاهدة على عصرها..هنا الغرابة تصير
إضاءة..هذا من زاوية,ومن زاوية أخرى كون الغرائيبية قد تشد المتلقي أو تثير لديه
فضول السؤال أو حتى تجعله أحيانا يبصق على ما يقرأ..هنا تنجح الغرائيبية في تحقيق
آمال عديدة, على رأسها أنها تستطيع أن تقلق راحة هذا المتلقي الكسول!, أقصد أن
تجعله-أي المتلقي- يقوم بردة فعل دون أن أبحث في ماهية هذا الفعل
المحصل.
س/
ما هي رؤيتك للحركة الشعرية في ليبيا؟
الحركة الشعرية في ليبيا تحرز تقدما ملحوظا..وهي حركة
مهمة,ما يعوزها مبدئيا التقديم الجيد وطرحها على مستوى أكبر, أقول هذا وأعلم أنه
كلام يقوله ربما حتى المواطن في حانوته,لكنه الحقيقة التي لا يمكن إلا أن
تقولها..وثمة أيضا إحباطات في مجالات إبداعية أخرى تُلقي بظلالها على هذا
المشهد.
حوار إذاعي ضمن برنامج [صالون
عكاظ], بتاريخ 17-12-2002, عبر أثير إذاعة الزاوية المحلية, ونص الحوار منشور هنا
بتصرف, حيث حذفت المداخلات الهاتفية وبعض الأسئلة المكررة في حوارات
أخرى.