حوار
مع الشاعر: صلاح عجينـــــــــــة
حاوره: محمد
القذافي مسعود
تجرأ
وتجاوز واستطاع خلق مناخ معاكس لحالة الإحباط المزمنة التي تمكنت واستشرت في نفوس
الكثير من المثقفين الليبيين..فكان هو ..وكان نصه وخطابه دعما لنهضة ثقافية تبنى في
مقابل أصوات سلطوية أيدلوجية متخلفة تهدم..سعى مع آخرين من جيله لخلخلة الثوابت وهز
أركان المؤسسة الشعرية التقليدية..يقترح كتابة نصه ويأمل وجود اقتراح نقدي نظير
له..هذا هو الشاعر صلاح عجينـة وهو يطرح وجهة نظره بجرأة من خلال هذا
الحوار.
س/
يتضح من خلال مجموعتك الشعرية[قريبا من ناصيّة البئر والتحول] أنك تمارس التجريب
على اللغة في مغامرة مستمرة نحو هدمٍ وبناء..ألم تصل إلى لغة ترضيك وبالتالي
تمثلك؟..
كنت
- ولازلت - أحلم بلغة سليلة عتقٍ ما وآنية معا..لغة لها إمكانية الاحتمالات
جميعا..لغة على رأس أجندتها احتواء فكري الشعري..أقصد لها هذا الطموح..وأثناء حلمي
لا أكف عن نيل مساحات ممكنة من لغتي الحلم..لذا ليس بوسعي إلا طرق باب التجريب إلى
النهاية..فالتجريب في أصله ثورة الفن الذاتية التي تجدد دمه من الداخل وبنسق قانون
طبيعي غامض. في كراسي الشعري [ قريبا من ناصية البئر
والتحول] رحلة صوب هذا الطموح أو الأصل.
إنني
أشعر وأنا أقرأ نص كراسي المذكور وبعدما مرت فترة الاحتفاء بصدوره أي بعدما اتخذ
سبيله نحو التعتق رويدا رويدا شأن أي كائن يبعث إلى هذا الوجود - قلت - أشعر بلذة
اكتشاف مكامن كانت تسكن مخيالي الشعري الذي يحوي بالضرورة نظريتي كإنسان متفاعل مع
موجودات المحيط التي تحاصر وجوده. وأحب هنا إضافة أن قراءاتي للنص الذي أيمم شطره
أمارس التجريب أيضا في قراءته كفعل قراءة قادر على استيعاب إشكالية الكتابة
باستمرار. إن التجريب في فعل القراءة مهمازي الأصيل في مسألة
الفن.
س/
ألا تكون متعصبا لرأيك أحيانا ولا تلتفت لما يقوله النقاد؟..
ماذا
يقول النقاد؟..أود أن أسأل..على نحو ما يمكنني القول - مثلا - يحلمون بكتابة نصٍ
نقديٍ للنص الشعري وبالتالي- في رأيي الخاص- إن الحلم أستاذ الطرفين ونقطة لقائهما
وأول دروسه تقبل الآخر إلى النهاية شريطة أن يكون الفن هو الأصل. وبالنسبة للتعصب
لرأيٍ ما أين كان هو أسلوب يقع فيه الكثيرون وهو أسلوب قديم قد تجاوزته ضرورات حوار
المعرفة المعاصرة. وعليّ في هذا الصدد أن أطرح السؤال الآتي.. لماذا اختفت النظريات
الكبرى في المعرفة الإنسانية المعاصرة؟ ..أعتقد - وهذا الاعتقاد ليس بالضرورة إجابة
على السؤال السابق بقدر ما هو تهميش يخصه - أن انحسارا كبيرا قد طال التعصب إلى فكر
بعينه وأن اشتراط الحوار كأسلوب معرفي كان كفيلا بتبديد الكثير من مثل هذه
الارتباطات القديمة وعلى رأسها بالطبع التعصب لفكر معين بعقل التعصب. أنا تحديدا
أريد أن أقول أن النص الشعري اقتراح والنص النقدي اقتراح نظير.
من
هذا المنطلق أنا شخصيا أمارس فعل الكتابة ومنه أيضا أمارس فعل القراءة -
التلقي.
س/
من هو الشاعر الذي تشعر بأنه الأقرب لك من غيره؟
كل
من يكتب قصيدا له سمة الولوج في أسئلتي التي هي ذاكرتي الآنية والمتخيلة-اللاحقة..
من يأتي لعقلي الشعري بالأثر..بمفهومات جديدة للأشياء..بعلائق جديدة قد تكون قديمة
لكنها متخفية أو غامضة..بمداخلة حيوية لفن الشعر.فأحيانا يهيأ لي أن ليست ثمة شاعر
يحقق هذا الطموح إلى النهاية وحده..إن كل شاعر يولد ليكتب على هيكل الشعر حرفا من
كلمة عشق لم نقرأها بعد وذلك أن ثمة شعراء سيأتون إلى الأرض ليكتبوا باقي
الحروف.
س/
كيف تنظر إلى مسألة تصنيف الشعراء في ليبيا إلى أجيال؟
لست
من المتورطين كثيرا في لعن نظرية التجييل ولست في ذات الوقت من المنهمين
بها..فالجيل الأدبي في رأيي هو الحنين الخرافي لظروف وأبجديات وأزمنة ملتبسة مرّ
بها شاعر ما ولها الفاعلية والإنتاج والخلق في كيانه الثقافي. فالشاعر الذي يحلم
للعالم وبه يكتب يقدس القوى التي أكدته والتي لفظته ويلعنها في آن. بهذا التضاد
يمكنني القول بين تنصيص صغير إن الجيل الأدبي هو حرص البداية على النهوض وحرص
النهاية للتأريخ لهذا النهوض الذي في معناه القصيد الحلم والفكر الأمل الذي نتمنى
على أنفسنا كتابتهما كما نتمنى ممارسة ما يرتبط بهما من طقوس منطبعة في ذاكرتنا
ونحن أطفالٌ. في ليبيا يمكن تلمس حادثة الجيل ظاهرتيا لكنك لا تستطيع الذهاب أكثر
من هذا. الجيل الأدبي في ليبيا لا يعني معايير نصية مميزة لجيلٍ عن آخر بقدر ما هو
التأريخ للحظة ولادة الأدباء الليبيين.
س/
ماذا تقول عن جيلك من شعراء التسعينات في ليبيا؟
أحبهم بالمعنى الأثيري, وأقرأهم عن قرب, وليس بإمكاني
أن أضيف أكثر في اللحظة الراهنة.
س/
هل صحيح أنك كنت ترغب في قيادة مجموعة لتكوين جيل يسمى "التسعينيون" يوازي في قوته
وخطابه الأجيال السابقة ويتناقض في طرحه وأسلوب تناوله لقضايا الثقافة والعصر مع ما
جاءت به تلك الأجيال؟
أكون
مخادعا لو تنصلت من خطوات ومواقف تغذي دورا شبيها بالدور الذي نعتني به ولكن لم يكن
أبدا في أحلامي طموح لعب مثل هذا الدور وإنما قد وقعت فيه لضرورات تخص الكتابة
والثقافة في عمومها..وقد كلفني القيام بأدوار كهذه دفع أثمان مستحقة. أن تقوم
بالذود عن ذائقة ما وملامح فنية معينة يعني أنك لابد وأن تكون مستعدا للمواجهة
الحقة مع أنظمة معرفية مغايرة قد تتجسد في جيل قديم أو في جيل جديد ينطوي على كلس
بائد..يعني أنك قد تواجه ذائقة جمعية متردية تقرأ النص من الخارج ولا تستطع
استبطانه..إنني أقولها وبصراحة وهذا الكلام يخص كراسي الشعري "قريبا من ناصية البئر
والتحول" مثلا- فبالرغم من بعض الكتابات الاحتفائية والمقاربات النقدية التي خصته
إلا إنها ظلت بعيدا عن الذائقة والمعرفة التي صاغته..إنني أحيانا أعيد النظر في
مفهوم بأسره وأحيانا أقتص من جدران سميكة تقف حيال حلمي من هنا- ومن النص ذاته ينبع
التحدي الحقيقي وبهذا الكيان تتجسد ذات المثقف الذي يملك خاصية الحركة الواعية في
مجتمعه لأنه في حالة قراءة دائمة للأشياء والمفاهيم..إنه يتحرك معها وبها منتجا
فكرا شعريا يوازيها..فإن كنت قائدا لجيل ثقافي أو أقف في مقدمته كما قرأتني أنت
وغيرك من المهتمين ذلك -لربما- لكوني الأكثر حضورا سواء من عدد كتبي وجدة ما أطرحه
خلالها أو من أعمالي الأخرى التي ظلت رافدا لتجربتي الثقافية أو من حضوري في رابطة
الأدباء والكتّاب من خلال رئاستي لها في مدينة الزاوية ثالث أو رابع المدن الليبية
ولا سيما أنني من جيل التسعين فذلك أمرا متروك لك وللآخرين..أما أنا فمنشغل حتى
الإعياء في القراءة والكتابة وبهموم الثقافة والعمل الأهلي أولا وثانيا والنقابي
الثقافي أخيرا ولي في ذلك رأي ورؤية وأحمد الله على أنني أنبذ بالفطرة الظهور
المجاني أو الذي بثمن كما أنبذ التعامل مع ظاهر الأشياء ربما لأن زهدي ظل منهلي
الأول بما مدّني به من قناعة واكتفاء وعزيمة وتأمل مستمر رغم كل الظروف المرعبة
التي يمر بها مثقف عصامي.
أريد
أن أقول لَكَمْ أتمنى أن يتأسس في ليبيا جيلٌ أو دفعة أو زمرة أو أي كلمة تدل على
أكثر من اثنين يحمل مبدأ المبادرة ولأجل الثقافة في مفهومها الإنساني الشامل في
ليبيا وأن يكون معافى من الأتراح والعقد النفسية والصراع من أجل الريادة - الهيمنة
في رأيي -. فليس ثمة من ريادة خارج النص والأسماء التي صنعتها مؤسسات الثقافة هي
أسماء إدارة وليست حالات ثقافية..هم لقطاء الثقافة إذ لا يخصهم النص في معناه
الأبدي الذي هو بالضرورة إبداعي.
س/
هل تفكر في الطرف الآخر.. المتلقي؟
المتلقي مشروع مفترض أضع أساسات الحوار معه ولا
استعجله حتى أواصل التنفس بمنأى عن الضجيج !!..فأحيانا يبدو لي أن المتلقي عليه
وحده ملاحقتي.. أن يهتدي إليّ وحين يلتقيني سيجدني قد أهديته سلامي منذ البدء منذ
كنت طفلا وأنا أحلم بكتابة شيئا ما.
س/
في مقالاتك التي ضمنتها كتابك "مطالعات وهوامش" ركّزت على الجانب الاجتماعي في
تناولك النقدي لبعض التجارب إلى أي مدى يسهم ذلك في إنجاح فعل الكتابة كفعل
نقدي؟
إن
مقالاتي على نحو ما تحمل اقتراحي الحيّ الذي به استعيد ذاكرة الثقافة اليومية
ومراجعاتي لما يكتب ويصدر وهي تفقداتي أيضا وأنا من أولئك الذين يقترحون الانطلاق
لكتابة نص مبعثه تشابك الثقافي بالاجتماعي..وأنا بحاجة إلى القول بأن ما أكتبه هو
تهميش على متن ثقافي هو تجربتي مع سؤال الشعر..فحتى وأن طغت كتابتي في النقد والرصد
والاحتفاء فهي في نهاية المطاف لا تعدو أكثر من أجازات تتخلل عملي في حقل
الشعر.
لكن..دعني أضيف تكمن أهمية الاجتماعي عندما يتخلل
الثقافي في تبديد صرامة هذا الثقافي وجدته وعلى ما يفعله هذا الاجتماعي
كإغناء..كحالة جذب للمتلقي الذي يلوذ وجدانه بغيبيات النص..فالمتلقي يحتاج ما يحقق
له هذه اللذة وفي مقابل ذلك يذّخر استعدادا للتعاطي مع النص في جدته التي هي
المتن ..أجدني أقول أن علاقة الثقافي بالاجتماعي عندما تتكون في آتون آلية منتجة
وخلاّقة تكون الأقدر لصياغة كتابة حيّة وفاعلة..علاقة الاجتماعي بالثقافي ليست لوحة
اشهارية عند مفترق طرق بالنسبة للطريق مثلا..بل هي الأرصفة والإنارة معا
للطريق..فهل يعقل مثلا أن يكون طريقٌ ما بدون هذين الشرطين الحاسمين لمعنى الطريق
الذي يؤدي مهمة الهداية.
س/كونك شاعر تمارس العمل الثقافي بكافة أشكاله ما هي
علاقتك بالسلطة؟ وكيف ترى علاقة المثقف بالسلطة؟.
لكل
مفهوم أو كلمة رحلة عبر تاريخه أو تاريخها ينتقل عبر نقاط مفصلية بين دلالات مختلفة
- فالسلطة مثلا وعلاقتها بالمثقف لم تعد تعني الانصراف البديهي إلى ثنائية المثقف
الذي يقبض على المعرفة وحده أو الذي وقع في المعرفة ونقيضه الحاكم بأمر الله أو
بأمر الشيطان والذي بدوره يمتلك جيشا من الجلادين..أما الآن فالمثقف قد يكون الحاكم
نفسه أو آلية إنتاج الحكم هذا إذا ما اعتمدنا على وصم من يمتلك معرفة ما
بالمثقف.والسلطة في المقابل قد تكون ثقافة وقد يكون مصدرها مثقف
فرد.
بالنسبة لي أعتبر الأكاديميين والباحثين الكسالى منهم
والناشطين على حد السواء وغيرهم من القطاعات المشتغلة في حقول البحث العلمي ليس من
الضروري أن يخصهم مصطلح المثقف الذي في معناه الأصيل الذي يمتلك نظرية رأي أو حراك
مصدره الهم الإنساني وهو غير الناشط الحقوقي أو قائد المظاهرة..فالمعرفة
المعلوماتية نوع من الاشتغال المهني.
أما
إذا تطرقنا لعلاقة المثقف بالسلطة في مفهومها التقليدي والسائد وانطلاقا من أرضية
عربية فأود أن أسجّل هذه الأسئلة..هل ثمة من حرية رأي ؟وهل للنص - الثقافي- من
شفاعة ؟ وهل ثمة من وسائط تعيق محق المثقف..أقصد تحميه؟..ثم كم هو عدد السجون
والمخبرين والميزانيات المرصودة في عالمنا العربي القائم بوظيفة تدجين الفكر
الأحدي..والسؤال الأعمق من المخول بممارسة حق الوصاية الفكرية باسم المفاهيم
والعقائد..إنها أرتالٌ من الأسئلة التي تترصّد ذاكرة المثقف العربي أينما حلّ وتضعه
دائما في وضع المقارنة بينه وبين الآخر الذي ينتج خارج فلك هذا الرعب الكاسح..علاقة
معقدة ومتشابكة لها من التاريخ الحدث المتناقض ولها من الآني الأسئلة
المُرّة.