الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
الشاعر صلاح عجينـــــــــــة
يعترف بالمراوغة ولكن لا يقدمها كأسلوب.
حاوره:عبد السلام الفقهي
 
في تكوينه الفكري يختلط الأدب بالتصوف..وتبدو لك نصوصه على نحو ما..مزيج من الاحتراق النفسي وعواطف طفولية تشتبك فيها أحاسيس متمردة واشتياق عذري إلى شئ لم يلمسه التراب: وعلى العكس من ذلك تجد في بعض كتاباته ونصوصه مناوشات يبدو فيها وعي المتمرس وقدرته على خلق جدل افتراضي..يقترب من الذات ويبتعد عنها أحيانا بوقع واقعي يستمد غوايته الأولى من تردد لذيذ..يكاشف الآخر ويختزله ذاكرة إلى حين..ويعترف بالمراوغة..ولكن لا يقدمها كأسلوب عام..بل كجزء من أسلوبه الخاص.الشاعر صلاح عجينـة يحاول عبر ديوانيه وكتبه الصادرة حديثا والمتعلقة بالأرشفة الأدبية لسيرة بعض كتابنا الليبيين مس أبعاد المسافة بين الكاتب كذات مبدعة وبين مجتمعه كواقع معيشي له وربطها كمنظومة ووحدة متجانسة..وجزء لا يتجزأ من رؤيته ووعيه العام.في حوارنا المتواضع هذا أردنا معرفة كوامن تلك الأبعاد وتوابع بعض جذورها وزوايا التنصيص فيها.
س /وفق رؤيتك أين يكمن الفارق بين الشعر وبين ما يسمى بالشعر؟
الشعر هو صوت الجوهر الإنساني الذي له احتمالات التغيير.. في القديم كان هذا التغيير يخص تأجيج حركة الشارع ورفع الشعارات والنداءات الهاطلة في تفاصيل اليومي والآني..أما اليوم فالشعر قد تبرأ من القيام بمثل هذه الأدوار لصالح إعادة النظر في المفاهيم والأطر التي تتشكل حولها حياة الناس. بهذا المفهوم وغيره يمكن فرز الشعر الحقيقي الذي هو بالضرورة يستجيب لأهدافه عن الشعر الرديء الذي لا يستجيب لهدف أو الذي ليست له أهداف يسعى إليها.
س/ التشظي الذي نلامسه إثر قراءتنا لنص ما على سبيل المثال يعكس معنى هاما فيما يتعلق بمحنة الشاعر أو الأديب خلال مراحله الإبداعية..هل التشظي في المعنى أو البتر المتكرر للوضوح يعد ضريبة طبيعية يتوجب تقبلها أم أنها تأتي كنتيجة لانتكاس النص؟
إذا كنت تقصد بالغموض الذي ينطوي عليه نصٌ ما وسؤالك يقع تحديدا عن أهمية الغموض أو حتى جدواه وهل هو ملمحا فنيا أم نكسة تصيب الشاعر فدعني أميّز بين الغموض الذي يكون بمثابة الإشراق في الشعر وبين غموض قد يطال جنس إبداعي آخر كالمقالة مثلا..فالغموض الذي يكون ملمحا فنيا للنص الشعري أعتبره من أسس بناء النص الحقيقي شريطة أن يكون تعامل الشاعر معه تعامل الفنان المحترف الذي له الحيازات الكافية من المعرفة والتجربة معا ووفق هذا التعامل يبدو لي الغموض أسا خلاقا له أدبياته وإعازاته التأويلية..أقصد عندما يتصيّر النص كوثيقة أو سفر له ما له من السر الإنساني والالتقاط الغائر للذات و للنحن وللعالم في كلياته وتفاصيله..بهذا الوعي يكون الغموض حالة من الإشراق والانفتاح على الأشياء..أما الغموض الذي في كنهه عبارة عن أحاجٍ ومعضلات فهم فهو حالة انغلاق أو انكفاء وهو بالنسبة لي يماثل حالة الكتابة المباشرة التي هي السطحية. والغريب أننا نقرأ حشودا من مقالات تتناول مأزق الغموض مقرونا بهروب المبدع من ساحة مواجهة القارئ ولا نقرأ نظير ذلك عن سذاجة المباشرة والتسطيح وفقر الرؤية والابتذال والتي تغص بها نصوص الشعر العربي. فهل يحدث ذلك لأن تصنيف النص إلى كونه نصا غامضا يعد المخرج الأيسر من التعرض لنصوص قد تكون جادة وحاسمة..وهل الغموض سمة ظاهرة يمكن القبض عليها من خلال قراءة النص من الخارج.
س /  في بعض نصوصك وكذا في مساحات من اشتغالك النقدي نلحظ روح الأنا تسيطر على جزء كبير منها ومع ذلك فهي لا تعكس المعنى الضيق لهذه الروح فهل تحاول أن تجعل للانا موضوعها الإنساني العام وصولا إلى تطبيق الحس الذاتي بها؟
أولا دعني أشير هنا أنني لا أتعامل مع مفهوم اسمه الأنا رغم أن "الأنا" عند الشاعر أمرٌ مشروعٌ بل ومستحبٌ لأنه بها يحلم للعالم والناس والموجودات..ولكنني أجسّد الذات عبر بعضٍ من كتاباتي الشعرية انطلاقا من الذات التي تجمع عددا هائلا من "الأنات "- جمع أنا- وبهذه الرؤية أحيانا أجدني أتكئ في اشتغالي النقدي..فقد أشرت في ذات حوار قد مضى أن كتابتي النقدية هي ذوق شاعر ينفتح على إكتنازات النصوص وفق مخياله الشعري الذي هو فكره ومجمع نظرياته. فالذات نقيض الأنا..ففيما تبحث الذات عن المشترك تنصرف الأنا في حقلها الضيق..والشاعر وإن جسّد أناه فإنها تتعداه مهما حاول القبض عليها وحده..يحدث ذلك لكونه شاعرا.
س/ كيف يبدو لك المشهد الشعر الليبي الحديث..دواوين وشعراء ومقاربات؟
لقد مللتُ طرح الإشكاليات التي تعترض صيرورة الشعر الليبي..وعلى رأسها غياب تقاليد الشعر..فغياب تقاليد الشعر بدءا من النشر ومرورا بكيفية الاحتفاء بالإصدارات الجديدة ونمط التعامل معها نقديا إلى طرق توزيعها إلى العموم تقف حيال تأسيس حالة شيوع أو ذيوع للنص الجيد أو لنقل تقف حجر عثرة لتأسيس حالة فرز يشترك فيها الجميع.. فالآراء المتداولة حول الأعمال هي نتاج المشافهة أو حتي التي في الخربشات الصحفية هي في الغالب مصدّرة من قبل منتجيها بطريقة أو أخرى..أنا أعرف ذلك وأعرف كيف تمت وتتم مثل هذه الاجراءات..في واقعنا الثقافي إذا استطاع الشاعر تجاوز عقدة النشر المستحكمة والمشوبة بالمثالب فحتى وإن كان ثمة من مؤسسة تقف وراء النشر فإنه والمؤسسة التي بمثالبها وعدم نقاءها فكّت هذا الطلسم الحالك سيقعان في أزمة غياب باقي المراسم المتعلقة بالاحتفاء والنقد بل وحتى التوزيع..بل والتوزيع المحلى ولا أريد أن أقول الخارجي وليس في أحلامي أيضا القول بالترجمة إلى لغات العالم الحي. فغياب تقاليد الشعر وارتباكها يعني انطفاء جذوة الشعر وبهذا لا أتحمّس كثيرا لأي نص..ففي غياب التقاليد ليس بإمكانك سبر الذائقة الجمعية الذي صيغ من أجلها النص ومدى تأثيره في إحداث حالة مفاجأة أو ذهول - ردة فعل-.
س/ النص الإبداعي قد يُحمّل من الناقد أكثر مما ينبغي..هل تعتبر هذا في صالح النص أم ضده؟
حتما سيكون هذا التعامل وعلى امتداد القراءة ضد النص بما يسببه من حالة فوضى تربك المتلقي والمهتم والشاعر نفسه. حالة غير صحية يجب نفيها من ذاكرة الثقافة إذا كان ثمة من قدرة لذلك.
س/ شعريا ونقديا كيف ترى تجربة أدونيس ؟
أدونيس الشاعر يبقى ورغم كل ما يعترضه حالة شعرية ذات رؤية وذائقة فريدة في الشعر العربي..أنا شخصيا لا أهتم بالتهم التي تكال إليه كل يوم..ما يهمني هو النص ومسارات التجربة..فباختصار أن أدونيس - بالنسبة إليّ - منتظم في أفقي الثقافي ويحظى باهتمامي كشاعر مجدد وكصاحب مشروع ذائقة آخادة لها سمة الولوج في أسئلتي.
س/ هل تستطيع القول بأن هناك شيئا اسمه الوعي بتجربة المبدع وخصوصية المرحلة يُعد أحد أبواب شرعية التفسير لذلك الكيان؟
المشاريع الثقافية الحقيقية لها مراحلها ولها أن تمنح فرصة درس مراحلها وجزءياتها..وللمراحل هنا معني العلامات المميزة ومعنى الأسئلة التي تؤكدها إحالات التي هي نصوص ضاربة في النحت والتأصيل والتفكيك والمراجعة التي لها قدرة مواجهة الذائقة الجمعية وبداهاتها..أليس كذلك.
س/ في ديوانك "قريبا من ناصية البئر والتحول" تضيق ذاكرة المكان لديك فكأن البوح فيه هو إذنٌ بالدخول في عوالم يفترسها القلق والترقب..ما رأيك ؟
أكذب لو قلت لك أنني لا أقرأ كراسي المذكور الآن ولا أتحسس فيوضات من الإحساس بقلق وجودي وبحرارٍ تندحر فيه الذات المبدعة حتى البدء بكتابة أخرى كي تستلم دفة التعبير أو بالأصح قيادة الحلم الذي يُضاد مساحات السلب التي تترصدني..أما بالنسبة لذاكرة المكان ولعلك تقصد بروز إرثي المحلي الليبي منه في عمومه أو إرث مدينتي ..فهما - أي الإرثان وإن كان الأول يشمل الثاني على الدوام ..فإنني أريد أن أهتف بأن هذه أوردتي ومراياي التي بها أعيش وأرى وهي ذاكرتي التي تطالني كما هي تطالك أنت والكاتب الحق هو الذي يقودك إلى ذاكرته ويجعلها عقارا يخص الجميع..فقد يجعلها أو يجعل منها إرثا إنسانيا له علامته الحضارية..وأختم اقتراحي بخصوص سؤالك أن حالة الترقب أو القلق حالة لا يختارها أحد بقدر ما يقع فيها..
س/ ولكن دعني أقول لك أنني كنت أتوقع منك أن تصدر ديوانا ثالثا..إلا أن "مطالعات          وهوامش " و"زغاريد أخرى" و"من السطر الأول" فاجأتني !!فقد كان الركض فيها وراء المقال والكناش ودهاليز الدوريات والصحف القديمة بدلا من الركض وراء المعنى من خلال النص الشعري..هل هو تغيير في خطة السير أم استراحة شاعر؟
الثقافة كلٌ لا يتجزأ ومسألة الإخلاص لجنس بعينه أمرٌ ليس ملحا حاليا بالنسبة لي حتى وإن كان هذا الجنس هو الشعر أقصد حتى وإن كانت رئتي وقلبي معا..فللأطراف دورٌ حيويٌ في صنع الحياة وللأظافر أيضا دور لا يؤديه غيرها ..إنني على نحو ما أستطيع القول بأن ما أكتبه في الكتابة التي هي خارج نطاق الشعر وحراكي الثقافي اليومي بكل معطياته والتباساته يشكل هامشا على متن تجربة ثقافية هي رحلتي صوب قصيد أتمنى على عزيمتي وتأملاتي أن تبلغه في لحظة ما..وهذا الهامش لا أستطيع الفكاك منه لأنه بلسم لكثير من أمراض تنتابني على طول الخط.
س/ في كتابك "السطر الأول للرواية الليبية" ذكرت عبارة [خوض النقاش] فيما يتعلق برواية "نافذة على المُطل الخلفي" ما المقصود بخوض النقاش..فهل تقصد التحليل النقدي أم مجرد ملاحظات تتناول العمل بشكل عام دون الخوض في التفاصيل ؟
حسنا إن اشتغالي في سلسلة التوثيق الثقافي يتحدد في أصله في إحداث ثقبا صغيرا في عالم الصمت الرهيب..عالم ضياع وتشتت النصوص وغيابها عن دائرة الرصد النقدي والاهتمام..عالم عدم الاكتراث بتقاليد المثقف الذي أنتج من دمه حلم الجميع ..أيعقل للمرء أن يتنكر لذاكرته الثقافية مثلا؟ ثم إنني لا أبحث من خلال هذه السلسلة عن مجد يتحقق لي من سلخ نصوص أكدّ في لملمة شتاتها أو انزافها بالنقد.. فقد كنت أحوصل بطريق الفن في الكتابة رؤيتي النقدية حول ما أعيد تجديد دمه في شرايين الثقافة الليبية التي هي ثقافة الإنسان الذي ناضل عبر الحقب الخالية ليصنع الحياة على هذه الأرض التي هي أديمنا..فهل يعقل من جديد أقول للمرء أن يتنكر لأديمه؟!!.
س / ماذا بعد هذه الكتب ؟
لا أريد أن أخلق امتدادا شفويا لما أريد أن أقدمه في القادم ولكن سأكتفي بالقول أن للشعر وقضاياه الحظ الأوفر.
س/ من يعجبك من الشعراء الشباب ؟
أنا لا يمكنني تفهم سؤالك إلا على النحو التالي وهو إعجابي بالقصائد الشابة..وبالتالي سأحتار كثيرا لأن ثمة الكثير من الأسماء التي تؤلف لي حالة إعجاب بقصيدة واحدة هم جميعا مشتركون في تأليفها وتوليفها..على نحو ما أهتم بقصائد رواد الحداثة العربية بدءا من بدر شاكر السياب إلى عبد الوهاب البياتي وأدونيس وأنسي الحاج وممدوح عدوان وعبد القادر الجنابي ومحمد الماغوط وصلاح ستيتية وقاسم حداد على نحو ما رامبو وابن عربي وابن الفارض على نحو ما سليمان العيسى والشريف الرضي وأبو القاسم الشابي وغيرهم..على النحو المحلى أهتم بقصائد الشباب من مصطفى بن زكري إلى عبد الباسط أبوبكر ومن بين هؤلاء لطفي عبد اللطيف ومحمد الشلطامي وجميع هؤلاء وغيرهم منتظمين في ذاكرتي كشعراء شباب على هكذا فُطرت ذائقتي وبهذا أؤمن إلى النهاية.
س/ بعيدا عن الشعر والنقد كيف تبدو المرأة لصلاح عجينـة؟
أنا لا أتفهم المرأة إلا في صيغة الأنثى ومشكلتي أنني كمثقف ليبي يلتقي بحشود النساء في غياب معنى البهو الأنثوي العظيم الذي حوله يتشكل العالم والوطن والنضال وكل الانتصارات والهزائم معا..ماذا أريد أن أضيف هنا غير البوح بأننا جميعا نحن معشر الكتّاب الصعاليك أبناء الحلم والوعد وكذا إخواننا من كتّاب الدواوين وربطات العنق والتلافيز مشتركون في هدر أحلامٍ تخص أنثى نبحث عنها في خيالات واهمة لا نجدها على الأرض الليبية..وقد أسهم العُرف الليبي المتخلف العظيم التعقيد وظروف انحطاط فن النشوء والتكوين الاجتماعي إلى فقد نصف حلم الحياة ونصف الوطن ونصف الذات وبأننا لا نكف عن نزف أحلامنا وهدر أطيب أوقاتنا في عرض مشهد لا يشاهده غيرنا..فهل نسافر للأنثى الحلم عبر المطار ؟ أم نظل نحلم بها وهي الغائبة أبدا!!..
----------------------------------------------
نشر بمجلة الملتقى- العدد:6, يناير /2005