الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
حلقة وصل أو العمّاري شعرا
 
 
مفتاح العمّاري شاعرٌ يخلق من جليد اللغة اليومية سناما يقطع به العجز عن القول لحظة القول يتصير كشفا رؤيويا يخبر عن واحات ممكنة للحياة, شعر العمّاري حياة أخرى, حياة من مجاز وشهوة متكاثرة.
وقد خاض العمّاري منذ البدء وجيله الثمانيني معركة التعريف بقصيدة النثر في ليبيا, هذه القصيدة التي لم يكتبها العمّاري بتحرر فني مطلق شان أي ذائقة تتأسست وفق هوائين, وفق حلمين, فهو من جهة يحلم بنثر مفزع, ومن جهة أخرى يؤكد عبر شعره طبائع شعراء التفعيلة- أي الشعر الحر- وتقاليدهم الفنية عبر الممارسة الابداعية ويمكن توصيف قصيدة العمّاري من خلال دواوينه الشعرية ( قيامة الرمل:1992- رجل بأسره يمشي وحيدا:1993-منازل الريح والشوارد والأوتاد:1996- مشية الآسر-ديك الجن الطرابلسي: 2000-رحلة الشنفرى:2000- جنازة باذخة:2002) بأنها قصيدة من الشعر الحر تفتقد إلى تفاعيل ويتجلى ذلك في التالي:
- انشغالها الملح بالوصف:
لننظر:
- فاليد حين تشيرُ إليكِ
تغدو في عداد الأسري
هكذا أحبك يا ليلى,
يا دهر عيني
ورحلة فمي.
ولأنكِ امرأة أخرى
أحبكِ دائما مرّة أخرى.
( ديك الجن الطرابلسي)
- لست شيئا
غير أني أرى الرمل يعتلي ظهر المشيئة
ويغتصب الجهات
وأرى الشوارع
حفلة صيد
أنا العديد في جسدي.
ترتعد عناصر الجارات تحت أغطيتي
ويقرع الشتاء أبوابي
ولا أحد يأتي.
(جنازة باذخة )
هذه المقطوعات يحقق فيها الوصل مستوى رفيعا, كأنها درر من الشعر الإنشادي الذي حفلت به ذاكرة قصيدة الشعر الحر.
- لغة النص تتأسس خارج التعقيدات الذهنية التي لطالما تشكل ملمحا فنيا لشعراء النثر, والتي تذهب بهم إلى مدارات تستثني القراء العموميين كجمهور مرتقب إلى قراء نخبويين في صالونات الفكر, العمّاري كشاعر شأن شعراء القصيدة الحرة لديه مضمونه الذي يعارك من أجله, والذي يستوجب وفق قواميس النضال إلى النداء والخطاب والكتابة للجمهور بالجهر بنية الجهر, مشددا ومدافعا عن أحلامه الحياتية بخلاف النثريين الذين يحلمون بقتل المضمون الكبير, والاكتفاء بمعارك القصيدة الفنية, وبإسقاط المنبر والحلم الجماعي. والعمّاري وفق هذا التصور يقترب من الشاعر العربي محمد الماغوط في كونهما شاعرين نثريين, وفي كونهما يحلمان بالنضال ضد العذاب اليومي للإنسان العربي, فالعمّاري ماغوط آخر غير أن لغته- أي العمّاري- باشتهائها للوصف تبدو أكثر رنينا, وأكثر شهوة, وأكثر اقترابا لقارئٍ لا يعرف جغرافيا شعراء العربية وفق عمر تجاربهم وسياقات هذه التجارب..
لنتأمل:
- دعوني أسمي الوطن الثقيل طفلا قتيلا
يجاور التيه.
(جنازة باذخة )
- وإن يكن وقفي بلا ظلٍ وماء
ولا شيء الآن باسمي يُسمّى
سيظل كل ذئب تاه في لغتي
كنز عواء.
(جنازة باذخة)
- لأنني من نسغ الأرض الوعرة
أبي حطّاب أحلام
وأمي نسّاجة وعد
وولادة مغزى
لن أنوي الهجرة
إلى لغةٍ أخرى.
(جنازة باذخة)
- بقراءة متنه الشعري نلحظ ظاهرة لغوية, وهي لجوئه الدائم لصيغ المبالغة نحو ( فعّال- فعول- فعيل- مفعال- فعل ), والكلمات ذات الجرس والتفخيم, وهو مطلب فني ينهض في عقل الشاعر بحرارة لنتأمل عناوين أعماله مثلا:
قيامة الرمل, رجل بأسره, مشية الآسر, جنازة باذخة, كتاب المقامات, أو من عناوين بعض القصائد نحو: حطاب الأرض الوعرة, أنا الذي, منازل الدم, منازل الحلم, منازل الرؤيا, رجل مهذار, سقوط الشمس, وهي تتخذ من الخيلاء وعظمة المنشد وأبهة الفن خندقا دفاعيا أو بئر ارتوازية أو جبلا حصينا يتزود بها الشاعر في حضوره اللاهب مع جمهوره المحتشد في ترقب, بنيما يذهب النثريون إلى التزهد اللغوي, والمجازي بتقشفٍ حاد لأن غاياتهم الفنية خارج فلوات اللغة وهثرمتها..
فحسب سوزان برنار ( النثر يسعى للتخفف من وهم اللغة الراقية, وإلى ترجمة أحوال نفسية, أحلام يقظة, تأملات أكثر من سعيه إلى سرد حوادث خرافية أو خيالية, وبمقدار ما ستكون النفس هي التي تتحدث من دون اكتراث للقواعد الفنية, ولا للحلي الأدبية سيعثر النثر على ينابيع شعرية كانت تبدو جافة), وهو ما ذهب إليه المنشغلون بقصيدة النثر العربية فحسب محمد العباس أيضا كاستدلال مثلا في كتابه ضد الذاكرة يرى ضرورة: (تحرير اللغة الشعرية وملفوظاتها من ضغوطات النبرة الصوتية والنحوية المثقلة بالتوقيع والميلودية المجانية لصالح النبرة الواعية والحسية القائمة على تأمل واجتراح فعل شعري لا تغلق المفردة فيه مدارات النص, بل تفتحها على اتساع المجاز الحر التي تتحطم عند بوابته كل الخطابات الرافلة في التعقيد المحتفية بالتعقل, ليتراجع البياني قبالة الدلالي والموضوعي إزاء العرض, وعليه تبتني قصيدة النثر مرجعيتها اللغوية ).
ولعل بدر شاكر السياب الرائد الأقدم للشعر الحر أبرز من يتجلى في شعره الظاهرة اللغوية المشار إليها عند العمّاري.
العمّاري إذن شاعر لا يحدث (خيبة مباغثة للمعنى المنتظر)حسب افتراض بارت - للحداثة وبحفاظه على اعتياد حواس الملتقي إليه بخلاف ما يرى عبدالله الغذامي في قصيدة النثر في كونها المزعج الثقافي, وباعتبار فعله الشعري يتدفق نحو معنى وحيد بخلاف ما يراه رامبو للنثر المنفتح على كل المعاني, وبخلاف أيضا ما يراه ويستان أودن في أن الشاعر الحديث لا يمكنه أن يرفع صوته وإلا أصبح دجالا.. فإنني أتهيأ أن شاعرا مثل العمّاري ولج فضاء الشعر من بوابة المنشدين أصحاب الرسالات الأخلاقية التي تستمد شرعنتها من الصوت المرفوع, ومن تقوي الخطاب الفني ومن إيقاظ مفاتن اللغة من سباتها متحدثا عن العذابات اليومية وعن ذاتوية ترفل في مركزوية الجماعة, هو بهذا وبغيره يعد حلقة وصل حقيقية في الشعر الليبي بين مدرستين, الأولى تحفل بحشد من شعراء من أنماط من الشعر الكلاسيكي والحر, وبين مدرسة فنية أخرى تستقرئ النثر كمزعج ثقافي ليس كتقنية كتابة وحسب, بل كنمط سلوكي للتفكير داخل إطار الفن وخارجه, هذه المدرسة تتكون من عدد محدود من الممارسين الطموحين لتدمير الأيقونية اللفظية والتصويرية, واحسبني وعاشور الطويبي من المنداحين في هذا الاتجاه.
إذن العمّاري كشاعر ارتكب قرف الحياة عبر الفن ألزمه ذلك اقتراح تجربة تقترب من لغة الجموع بواسطة المزاوجة بين غايات قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر, هذه المزاوجة التي تجعله حلقة وصل بين مدرستين, وبين عالمين, وبين طموحين, وكل شيئ تم بموهبة فريدة, وبتجربة مسترسلة في أفق الشعر الليبي الحافل بعدد حاشد من الشعراء ذوي العمر القصير, تجربة العمّاري تعترض هذه الظاهرة كما تعترض تجاهلها, تجربة رضعت من حليب التراث, ونبيذ الحداثة على حد السواء لتتقدم بالشعر كاقتراح حيّ للحياة في جنوب البحر المتوسط, وعبر فيافي الشرق الحالم,  اقتراح شاعر يمشي بأسره وحيدا في مشيةٍ آسرة.