الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
الشيطـــــان
 
_ 1 _
 
كيف نحيا بدون شيطان؟.. أو هل يمكن أن نعيش بدون شيطان ؟.. سؤال كلما أردده في محيط ذاكرتي أصاب بالدوار!!.. منشأ هذا ليس لعلاقتي المتوترة معه لكوني آدمي !.. إنما لكون الشيطان صار مصطلحاً لفكرة طوباوية تمد جذورها في كل شىء..  دون أن نحددها بصيغة يؤثتها المنطق!.. فماذا لو أن الشيطان مجرد تراكما   ميتافيزيقيا أنتجته
الذاكرة البشرية في ظرف موضوعي كتعليل لمسائل ما كان لها أن تستوعبها أو أن تجد لها خلاصة يقين !.. ماذا لو ظهر إبليس يوماً كحزن صغير..ذابل اللسان.. ماذا سيحصل لنا ؟.. أتنفرج غمة أم تبدأ ؟.. سؤال محير ومحرج في آنٍ..سؤال سيظل فاغر الفم كلما هزني ظمأي لإجابة..
_ 2 _
فكرنا من أساسه لا يفتأ إلا أن يقدم إجابة واحدة لسؤال الإبداع المربك... إجابة جداً غاية في الهزء و بصياغة رشيقة مكونة من كلمات ثلاث هي " شيطان ما يربض".. فكر برّر سؤال الشعر عند الشعراء العرب بأن هناك شياطين يأخذون عنهم الشعر فاختلق "لافظ بن لاحظ" لامرئ القيس و"هادر" للنابغة و"هبيد"   لعبيد بن الأبرص.. بالتالي وبدون وعي صارت ثقافة العرب العظيمة المتمثلة في ديوانها - بيان الهُوية - من أعمال المشعوذين ومن ثم وُجدنا في منظومة تقتلنا أبداً !.. وأبدا لا نمضي إلا بها..
_ 3 _
لم تنته هذه الإجابة.. بل امتدت  لتتغلغل في فكرنا ووجداننا حتى شاخت وابيضت عيناها .. فيري د. علي مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" أن المشهد جد متأزم أثناء عرضه لأحداث المعارضات الكبرى التي قادها علماء المسلمين بالأزهر ضد إدخال مطبعة عربية إلى مصر على أيد الفرنسيين بحسبان المطبعة اختراعاً من بدع إبليس اللعين!.. والأمر لم يختلف عند عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائز الآثار" حينما رصد ذات الموقف من علماء المسلمين بالأزهر أثناء عرض مجموعة علماء فرنسيين بعض التجارب في حملتهم مع نابليون بونابرت فلم يجدوا تفسيراً إلا إرجاع ذلك إلى خدع الشيطان الرجيم و أفاعيله !؟..
يحكى لي أيضاً أحد الأساتذة من بلد عربي شقيق أثناء إقامته في إحدى الأقطار العربية أنه عندما كان يدرّس الطلبة في مادة الرياضيات فاجأته إدارة المدرسة بطلب استدعاءه..
وامتثالاً لأوامر الإدارة ذهب ليستبين الأمر وإذ بإدارة المدرسة تتهمه بأنه ملحد أو فيه مس من الشيطان..ذلك كونه يشرح دروس الحساب دون أن يستفيض أثناء شرحه في ذكر
الله ويلعن إبليس !.. وحفاظا على الراتب الذي يتقاضاه صار يلقن الأطفال أن "الخطان المتوازيان لا يلتقيان أبدا إلا بإذن الله.. وإذا تلاقيا فتلك مشيئة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله " ..ومن هنا يبدو جليا حجم الكارثة التي تعيشنا مفزعا و بهذا و بغيره تبدو لحياتنا سمة الولوج في جوهر الأخطاء.
أما د. "السيد القمني" فيوجز الحكاية في كتابه "الأسطورة والتراث" بقوله ""أن الشيطان لم يزل يصول ويجول في مساحة كبرى من العقل الشرقي.. حيث تجاوز إطاره الديني وتغلغل في ذات الإنسان ليتحكم بكل حياته ومن ثم أصبح سببا لكل مالا نرضى عنه ومشجباً للأخطاء على مستوى الفرد والجماعة والدولة وتفسيراً سهلاً لكل مجهول!.."
وأورد هذا ليس تشكيكـاً في وجود إبليس لعنه الله أو تأثيره.. إنما ما أثير حوله استفهاماً هو حيزه الذي يعتمل في ذاكرتنا..!؟.
إن الشيطان كلمة لا يمكن لها إلا أن تكون مفردة تجمع "إبليس" الجن و"آدم" البشري الذي يقف أمام المخبز و تناثر حنقه شررا و هو المكلف بإعداد التقارير السنوية في مصلحة الآثار..هو أحدنا ..منا وإلينا.. أما الشيطان الميتافيزيقي لا ننفيه لكنه حتما ليس هذا الذي يجثم في ذاكرتنا والتي روّعها ما روّعها من الماوراء منذ صرختها الأولى.
_ 4 _
تثبت مصادر التراث الإسلامي أنه في شهر رمضان تصفد الشياطين!.. وهذه أمنية جيدة إذا ما تحققت ..فهي توفر فرصة أن يكون الفرد مثاليا إلى أبعد حد..ولما كان أكثر من ثلثي فكرة الشيطان عن وهم قديم..لذا ترى لا يتغير حال العباد في رمضان.. وأبداً لن يتغير الحال !.. بل ويزداد سوءا في حالات كثيرة !.. ذلك كون الشيطان ليس طرفاً آخراً بقدر ما هو جزءاً لا يتجزأ من الفرد ذاته.. أما حكاية التصفيد هذه فهي لا تعني بالضرورة أن هناك شيئ محسوس يتم تكبيله بالمعنى المادي بقدر ما هو تكبيل استعاري متمثل في ترويض نزق الفرد وتهذيب طباعه من خلال الاستعداد النفسي للفرد ذاته بشعوره أن الشيطان قد رحل عنه والذي لا يتأتى إلا بالعبادة الرمضانية المباركة.
 
2001