الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
الأرامل والوليّ الأخير:  اقتياد الكتابة بزهر النرد

الأرامل والولي الأخير* رواية تقع في أربع وثلاثين قطعة مشكّلة واقعا تبلغ عدد صفحاته 415 صفحة, وهي آخر انتاجات الأستاذ خليفة حسين مصطفى الذي أسّس لمكتبة سردية من قصة ورواية تصل إلى عشرين مؤلفا, من أهمها روايتيه الأخيرتين (ليالي نجمة) والرواية التي نحن بصددها.
ويبدو هدف عمله الأخير من الأسرار التي لا يمكن التحقّق منها إلاّ إذا ما عُدنا إلى أن ثمة أعمال فنية تولد هكذا لتكون واقعا على الورق, وليس واقعا يطرح الأسئلة على جبهات النضال اليومي للفن.
ويجري السرد على لسان الحكّاء بنفس طويل دون أن يقاطعه أحد بلغة وثوقية قطعية, والزمن يقدم أحداثه وفق منطقه التسلسلي كتدريج رقمي على خط مستقيم لا يوازيه أو يتقاطع معه أيّ خط زمني آخر, وهذا بناء يميز الأعمال الكلاسيكية في الجنس الروائي, فزمن النص لا يتعرض لأيّة خلخلة ولو تمثلت في استطراد ما, فكل شيء يمكن تحديده وفق المنطق الزمني للنص كما يمكن اختتامه عند أيّة نقطة على هذا الخط المستقيم, ويمكن أيضا التواصل به إلى نقاط لا نهائية وذلك بإضافة أحداث طارئة تبرز مع كل قطعة وتنتهي فيها, وهذا مرتهن بأن النص اعتمد في بنائه على أحداث طارئة وقصيرة النفس وغير متشابكة مع بعضها, وقد جرى تقديمها بطريقة تسلسلية, لذا يمكن تحقيق الغاية التي أشرت إليها بيسر. أما الحدث الرئيسي الذي يتشكل حوله النص يتلخص في أن قهوجيا يدعى يوسف وشحاذا يدعى مسعود من أحط عباد الله قدرا ومكانة اجتماعية في مجتمعهما يتعرضان لمفاجأة قلبت حياتهما رأسا على عقب, حيث تحوّل ذلك القهوجي بطريقة عجائبية إلى باشا المحروسة طرابلس ويتخذ من رفيقه القديم ومرسوله إلى معشوقته عزيزة وزيرا أولا له ثم لا يلبث الأخير أن ينقلب عليه منذ الأسبوع الأول ليتحوّل إلى المعارضة السياسية بالتحاقه وقيادته فيما بعد لحركة تمرد صحراوية وكذلك بزواجه من عزيزة بعد الفرار وإياها إلى الصحراء, عزيزة التي خيّرت يوسف بين الزواج بها وبين الباشوية, وبعد سنوات يتمكن الباشا من إخماد التمرد وإعادة عزيزة لبيت أمها, لكن عودتها كانت باختلالها نفسيا, وكل انتصارات الشحاذ تنحصر في قتله لولي العهد - الطفل الرضيع - أولا, ثم بقتله لولي العهد الثاني والأميرة معا, وبطريقة عجيبة وبعد أن يتكبد الباشا مرارة فقدانه لابنيه ينتهي النص بترك القهوجي باشا للبلاد, بينما الشحاذ يظل مواطنا متخفيا أُعلن موته الرسمي ومن ثم ينتفض في وجهك سؤال ما هدف النص؟
وتقلّب الأسطر وتبحث في جيوبها وفي جيوب الخيال وتقتل كل شيء مقروئية واحتمال دون طائل يذكر, فالأعمال الأدبية بصفتها تنقل عبر عالمها المتخيّل عن عالمها الواقعي صورا لمعالجات فنية سواءً كانت تستجيب لنظرة جمالية أو أيدلوجية أم لا وسواءً تقاطعت أم توازت مع الهامش المتاح لمنظومة المجتمع الذي تنتهي إليه أم لا, يظل هدفا ما دائما في سماء النص مشرقا معطيا شرعية النص وثبوتيته كفنٍ يقدم وجهة نظر أو كفنٍ له خصائص معالجة القضايا والموضوعات التي يتعرض لها بأسئلة إشكالية, لكن ذلك كله يسقط عبر النص والهدف الذي يمكن استنتاجه هو انبلاج هذا الفضاء المتخيّل للوجود وانضمامه لمدونة الضبط الببليوغرافي الخاص بجنسه الأدبي وحسب..
وأمام هذا الانهيال السردي يمكن مناقشة بعض الظواهر والتدليل عليها, والتي يمكن حصرها في النقاط التالية:-
1-        منطقية النص.
2-        دور رجل الدين- تصوّره في أفق العالم المتخيّل للراوي.
3-        مجتمع الرواية- مجتمع الواقع. 
 
1-منطقية النص:
ينفرد النص بعدم منطقية كل حدثٍ تقريبا من أحداثه الرئيسية, كما نلحظ إهمالا حقيقيا لتوفير أرضية منطق تؤهل طروحات النص لأهدافها, بل على نقيض هذا نجد إلحاحا في التأكيد على هذا المنهج العجائبي, وبعد ذلك لا يلوح أي أفقٍ لسؤالٍ يطرحه النص!!..
إذن الوقائع غير المنطقية هي بعدد سطور النص, حتى أنني راجعت غلاف الرواية أكثر من مرة لعلّي أعثر على عنوان فرعي يؤكد أن هذا العمل الضخم في حجمه مصنف من مصنفات الكاتب في أدب الطفل سيما أن خليفة حسين مصطفى أحد المشتغلين بهذا الأدب, لكن ذلك لم يكن!.
ويمكن الاكتفاء بالإشارة إلى أحداث رئيسية مثال:-
- الحدث الأكثر إلحاحا في الرواية والحدث الذي استنفر السرد أصلا هو قصة تحوّل يوسف القهوجي إلى باشا طرابلس.
يصف الكاتب بأبشع صور الدناءة الاجتماعية بطله القهوجي بعدما يقص تفاصيل من غرامه المتبادل بفتاته الجميلة عزيزة غير أن فقر القهوجي المدقع وتعنت أم عزيزة قدرية بشروط مادية قاسية حالت بينه وبين زواجه بها, حتّى يوفّر إمكانية مادية تستجيب لتلك المتطلبات, ويظل رفيقه في التعاسة مسعود الشحاذ يتسوّل في الطرقات القذرة مكتفيا بما تجود به الأيدي الفقيرة في مجتمع ولاية صحراوية, وذات مرّة فاجأ الشحاذ القهوجي بأن لديه ثروة من المال ظلّ يدخرها عبر الأيّام والليالي البائسة وأختتم مفاجأته بأن ثروته رهن إشارته ليحقق أمانيه السعيدة بالزواج من محبوبته عزيزة, غير أن الأخير يرفض هذا مقدمّا حججا تفضي لأهمية اعتماده على نفسه, ورغم أهميّة مال الشحاذ بالنسبة إليه, إلا أنه قدمه كعربون حب لخله الوفي.وفيما بعد يكتفي الشحاذ بدور مرسول الغرام بين الاثنين ونقرأ كلاما كثيرا حول وضاعة مسعود الشحاذ وعذرية وعفاف عزيزة.. إلى أن يتم فجأة أن حرّاس القلعة قد اختطفوا القهوجي المسكين, والذي لم يبدو عليه أي وعي سياسي أو اجتماعي بأحوال الولاية أو بانهمامه بالقضايا العامة, وقد ظن الشحاذ والخباز أن القهوجي أذنب ذنبا ما يخل بأحد القوانين, وأنه ذهب إلى اللاعودة حتّى يفاجأ الجميع أن ذلك القهوجي أصبح بقدرة قادر على حد تعبير الراوي باشا المحروسة طرابلس, وأنّ ذلك المدعو قائد الحرس الأبدي هو من كلفه بهذه المهمة, وعند هذه النقطة ينتهي كل شيء ويباشر القهوجي دوره كباشا عنيد في النص ودون مقدمات أو مبررات ودون أن يكون هناك دورٌ في هذا الحدث لشيءٍ ما عدا الصدفة وحدها كما يقول الراوي.. وهذا طبعا لا يحدث حتى في عالم الجنّ والأساطير.
وكان يمكن ما دام هناك إصرار على خلق باشا من رحم قهوجي مثلا أن تعقد صفقة بمال الشحاذ مع قائد الحرس حتّى يكون هناك اتفاق بين طرفين, وحتى مثلا يكون اختلاف الشحاذ بصفته الوزير الأول مع باشا البلاد منذ الأسبوع الأول مقنعا إذ عند ذلك سيكونان شريكين في المغامرة السياسية.. لكن ذلك لم يحدث بل ظلّ النص يصرّ على الصدفة وحدها من جعلت القهوجي باشا المحروسة طرابلس.
- التناقض حين أشار إلى أن الخباز والشحاذ لم يسمعا بخبر تولية القهوجي كباشا للبلاد لمدة 48 ساعة رغم أن المقدمات تحمل خبر حلم الشحاذ بهذه الأعجوبة التي لا يصدّقها عقل ولا منطق حسب رأي الراوي, كما أن المقدمات تشير إلى أن كلا الرحلين من أكبر متابعي تفاصيل تفاصيل الحياة الاجتماعية في الولاية حتّى أنّه يسمّى الشحاذ بصاحب الأقاويل هل يعقل أنّ الجميع ولمدّة يوْمين يسمعون خبر تنصيب يوسف القهوجي باشا للولاية ولا يسمع هذان الرجلان!؟
-في القطعة التاسعة يتسوّل الوزير الأوّل مسعود الشحاذ من أجل إعداد موكب خطبة باشا البلاد بطريقة أعجب من العجائب صارخا في الشوارع وذلك جرّاء رفض الباشا لأن يكون موكب الاحتفال من المال العام وتلك الحملة العلنية تتم من وراء الباشا الذي لديه عيون في كل جيب كما يقول الراوي في مكان آخر!؟
- من الأحداث غير المنطقية أيضا رفض فتاة يتيمة الأب وأمها من أشد عباد الله طلبا للمال الزواج من حبيبها الذي قبلته فقيرا معدما, هذا الحدث يمكن التعاطي معه لو كان الرفض تم منذ البداية أي عند إرسال خطاب إليها, أي قبل إعداد الموكب الضخم الذي شهدته جموع عظيمة من أهل الولاية, وبعد ذلك يتم تصوير رفض الباشا بحضوره الشخصي في بيتها, ولم يكن لهذا الباشا أية رد فعل غير انكساره في سقيفتها, ثم لا نجد اشتغالا يعزز فكرة رفض عزيزة للباشا إذا تمسك بكرسي الحكم ومن أوّل لقاء بينهما فمن المفترض مثلا أن يجمعهما ولو حوار واحد يتبادل فيه العاشقان أفكارهما ثم ينتهي هذا الموضوع في ظرف غامض كسائر الأحداث. 
- مكوث الباشا رغم علمه في بستانه خارج القلعة أسبوعا بحاله وهناك انقلاب بُدبّر ضده وذلك مقابل متعة جنسيّة عابرة مع زوجته التي هي في متناوله متى شاء وهو في قصره, والأشد عجبا أن قائد الحرس يدخل على الباشا في بيته في البستان مباشرة دون المرور بحرس أو ما شابه ويدخل عليه حجرته ويفتح له الباشا الباب بغتة حتى يضطر الباشا لنجدة نفسه بإسراعه لارتداء سرواله إثر اتصال جنسي كان يجريه مع زوجته الشرعية, ولا أدري هل الملكة أيضا أنجدت نفسها أم لا ؟!
- في القطعة الخامسة عشر ص:  184 ودون أية مقدمات تهرب عزيزة مع الشحاذ دون علم أمها بعدما يستطيع هذا الشحاذ إقناع العسس بأنه أصيب بالجنون إثر اعتقاله فترة من الزمن جرّاء انقلابه الفاشل.
- أما الحدث الأكثر عجبا-ص:273, قدرة الشحاذ وهو في قرية الوادي وهي قرية صحراوية يرابط عندها بصفته متمردا على اقتحام المحروسة والقلعة متخفيا, ويصل إلى مخدع الباشا ويقتل ولي عهده في غفلة من حرسه الخاص ومربيه خلال 24 ساعة بالضبط دون مراوغة, ولا يكتفي بهذا فقط بل ويحمل معه الضحيّة والسكين الذي ذبحه به ويخرج بهما من أسوار القلعة ويدفنهما في أحد البساتين, ثم يشاع بأن الجن هم من قتل ولي العهد!!؟ إن بغلا هنقاريا لا يصدق هذا! وإن بغلا إثيوبيا سيضع سؤالا بالصيغة التالية: لماذا لم يترك الشحاذ ضحيّته في القلعة ويخرج بدلا من أن يعرض نفسه لخطر قاتل كهذا, سيما بمراجعة النص نقرأ سردا يصوّر شدّة وحزم الباشا وحراسه وقائد حرسه وغير ذلك!!
إن بغال العالم ستجتمع إذا ما علمت أن مواطنا على سطح الأرض أخذ على نفسه تصديق مثل هذا الخيال المشوّش بالأحزان الفنية, وستأخذ على عاتقها مبدأ نجدة العالم من الجهل بسلوكه.
- يسرد النص أن قائد الحملة ضد المتمردين مضطلع في مؤامرة لاغتيال السلطان العثماني وقد حكم عليه بالإعدام والحقيقة يواصل الراوي سرده أنه ضبط يقبل إحدى أميرات القصر السلطاني عقب تخرجه من مدرسة إعداد الضباط باسطنبول, لكنه استطاع الهرب من الإعدام المحقق من أعظم سلطان على وجه البسيطة في زمنه باختفائه وسط شحنة بغال قادمة من اسطنبول إلى طرابلس.
ولا أدري لماذا الإصرار على العبث والهروب من المقدمات المنطقية, فنحن لم نقرأ يوما أن بغالا ما جاءت من اسطنبول لتعبر البحر الأبيض المتوسط في سفينة خاصة وتحظى بهذه الأهمية وإذا ما أراد الكاتب الاستخفاف بمجتمعه الذي يقترحه, فلا يأتي ذلك بهذه الرؤية المتواضعة, وإلا ما حاجة ولاية فقيرة هي بحاجة إلى الحبوب والأغذية لاستيراد بغال.. لماذا؟, هل البغال كانت ضمن أكل الليبيين, ثم أن المحروسة طرابلس بها من البغال ما سدّ حاجتها على الدوام؟!
- في القطعة السادسة والعشرين- ص: 316 فتى محارب يفلت من قائد الحملة المدرب بأفضل الوسائل في اسطنبول وكان ضمن فريق حرس السلطان الأعظم رغم أنه هذا الفتى مقيد على شجرة, ذلك حدث أثناء استجوابه وهو مكبل كيف حدث هروبه؟ يجيب الراوي أن عاصفة رملية تدخلت هذه المرة!!
- واختتم هذا المبحث بالقصة التي انتهى بها النص, وهي قصة القضاء على التمرد, والتي قتلت فيها القوات النظامية خمسة رجال حول الشحاذ وسادسهم الشحاذ نفسه, لكن الشحاذ سقط كتمويه وظنت القوات النظامية أن الشحاذ قد مات, وهم لم يبرحوا المكان ينهض الشحاذ الذي أخذته السنون والشحوب بسرعة البرق ويمتطى حصانه ويفر, وقد رجعت القوات النظامية بخبر الانتصار على الشحاذ وقتله مع آخر رجاله وعندما يأخذ القهوجي بمراسم الاحتفال البهيج ويتخلل هذا الاحتفال إعلان مرسوم بتولية طفله الذي لم يبلغ سن الرشد كولي عهد يستطيع الشحاذ اقتحام المدينة مجددا بمفرده بل ويزور عزيزة وأمها في بيتهما دون أن تكتشفه عيون الباشا على اعتبار أن الباشا مازال يطلبها للزواج وقد ترك أوامره بتنفيذ متطلباتها بصفتها الملكة المنتظرة لكن الشحاذ يستطيع زيارتها ويتقدم إليها بمواصلة حياتهما الزوجية غير أنها لن تستجيب إليه لظرفها النفسي, وبعد هذا العجب يأتي العجاب الذي لا يحدث في السماء ولا في الأرض, وهو مقدرة الشحاذ المرتدي زيا بدويا المتمثل في جرد رغم حرارة الطقس ويخفي فيه باروده ودون أن يثير انتباه أحد..يستطيع وسط ذلك الصمت والجموع قتل ولي العهد بتصويبة واحدة ولم يبرح مكانه حتى يصوب ثانية تجاه الأميرة الصغيرة ثم ينفذ بجلده ككل مرة, وتنتهي الرواية وكما يقول المثل الشعبي (خود ولا خلي).
وبمراجعة الفعل الروائي الذي يطرحه الأستاذ خليفة حسين مصطفى تصاب بالذهول ونتيجة لأن النص يجري خارج حدود المنطق الذي تفرضه الفيزياء وتاريخ الأشياء, فإن الثمن الوحيد الذي سيقبض هو عدم إقراره في أجندات الكتابة الحيّة والفاعلة.
وأثناء عودتي لبعض كتابات الأستاذ خليفة وجدته غير مرة يرفض كتابة روائية تجري خارج حدود المنطق**.
     
2- دور رجل الدين - تصوّره في أفق الفضاء المتخيّل للراوي: 
من الظواهر الملفتة للنظر والجلية من مستوى قرائي أوليّ: النظرة السلبية لرجل الدين والشخصيات التي لعبت هذا الدور أو تماست مع وظائفه: 
أ‌-        الشيخ:
هكذا يرد وبدون اسم ووظيفته يسبح بحمد الوالي ويشكر ويمكن تتبع ذلك في ص: 12- 13, وما يمكن رصده الحوار المطوّل الذي يجمعه بـ الشحاذ حول قيم إسلامية كثيرة نحو فضائل الصدقة والصلاة والإحسان والعلاقة بين الدين والسلطة ويتم ذلك بالتعرض السطحي لأهداف هذه القيم الإسلامية في محاولة نسبها إلى طائفة الشيوخ والفقهاء وليس خليفة حسين مصطفى وحده من وقع في هذا الخلط العمدي أو العفوي في محاولة لتجنب نقاشها كقيمة ثابتة في الشريعة الإسلامية, وأنا لست رافضا للتعرض لها بالنقاش الجاد والموضوعي, لكنني أدعو لنقاشها بشجاعة ودون التفاف بوصفها مكوّن من مكوّنات الدين الإسلامي والتي جاءت عبر النصوص, ولم تكن أبدا بدعا من فقيه أو غيره مهما كان حجمه فالفقيه ليس بيده التشريع المطلق في الإسلام, فالصدقة بعشر- أمثالها كلمة الله في كتابه.
أ‌-        الشيخ العجيب:
رجل كما يذكر لا وجود له, ظهر صوته دون أن يتجسد للباشا, كلامه غير واضح, ووظيفته الإشارة التنبؤية إلى الباشا بامرأة على ذوقه, بيضاء حمراء, جسدها من فضة, وفي عينها توهج الأنثى- ص:200. 
ج- درويش:
يرد دون أل التعريف, مهمته الدعوة إلى الله لإنزال جام غضبه وسخطه على عزيزة عند فشله في إقناعها بالزواج بالباشا وخلعه عليها صفة الجاحدة بنعمة الله-ص: 246.
د- مبروك الطويل- خادم المسجد:
يطلب إليه المفتي عبد الشافي أن يأتيه بمسبحته التي نسيها في البيت أثناء تواجده بالمسجد لصلاة العشاء ففرّ لتنفيذ طلب المفتي (اغتبط الخادم لسذاجته بهذه الخدمة التي يسديها للشيخ الجليل الذي لا يشك أحد في أنه سوف يتقدم صفوف المؤمنين إلى باب الجنة في يوم القيامة, وفكر بأن المفتي عبد الشافي لن ينسى له هذه الخدمة أبدا, ولذلك فقد بات من حقه أن يعول عليه في شق طريقه في الزحام إلى دار السعادة فلا يخضع لحساب دقيق قد يعطله بعض الوقت عن احتلال مقعده في الجنة, وذلك لما للمفتي من نفوذ في الآخرة, قد يزيد على نفوذه في الدنيا لما يشتهر به من تقوى, إضافة إلى رصيده الروحي الذي لابد أنه في حجم جبل وهناك صلوات منتصف الليل التي كما يقول لا يفرط فيها حتى في حالة توعك صحته, ثم أن غرامه الخرافي بالنساء وتعدد زوجاته ما هو إلا عبادة أخرى يتطهر بها من وسوسة الشيطان ومنغصات غريزته الجنسية فيولي وجهه ناحية القبلة بنفس صافية كالبلور..)- ص:322.
وعندما يصل مبروك إلى بيت المفتي يكتشف أن زوجة المفتي الرابعة سعده تخونه, وبدورها ترشيه بخاتم من الذهب, لكن مبروك سيقص على المفتي كل شيء ما عدا قصة الخاتم حتى يوقعه الراوي في جريمة السرقة والكذب في ذهن متلقيه.
ر- المفتي عبد الشافي:
يمكن تتبعه ودراسته بصفته النموذج الأنضج الذي يمثل رجل الدين في ذهنية الكاتب, وباستعراض الأحداث التالية يمكن رسم تصوّر عام لهذه الشخصية وأداءها في المتخيل الروائي:
1-رفض عزيزة القديم بالزواج به.
2- إنزاله ذات مرة من صومعة المسجد قبل إكماله للآذان لعلمه بأن الباشا يحتاجه- ص: 58.
3- خيانة زوجته له: وتأتي الخيانة بفضيحتين شهيرتين, الأولى تعرف بفضيحة المسبحة, وهي علاقة سعدة مع قائد الحرس, ونجد اهتماما بهذه العلاقة بغيّة الاقتصاص النفسي من هذه الشخصية, أما الفضيحة الثانية فهي فضيحة بستان اللوز, وهي علاقة سعده مع تاجر العطور وتنتهي بفرار سعده الأبدي والمجهول مع عشيقها.
4- تدبير جرائم القتل:
يتورط المفتي عبد الشافي إمام البلاد بتدبير ثلاثة جرائم قتل عمد واضحة على الأقل, ودافع الجرائم الثلاث الثأر لنفسه من منتهكي شرفه في زوجته, الأولى: ضد خادم المسجد مبروك الطويل لإفشائه خبر فضيحة المسبحة لزوجته, والثانية ضد الطباخة بصفتها الشاهد الوحيد على فضيحة بستان اللوز, والثالثة ضد قائد الحرس وهذه تمت بالتعاون مع أرملة مشبوهة تدعى محبوبه, وهي كما يصف ربة السحالي وقد اتفقت معه أن يكون المقابل لتنفيذ مهمتها الزواج بها, وقد كلفه هذا منذ البداية الاعتذار عن إمامة الناس في صلاة الجمعة وتعويضها بدروس موعظة للأرامل في وكرهن   
5- أعور وعدد من الصفات الخلقية الأخرى والمتناثرة.
6- نهمه الجنسي والمتمثل في اهتمامه مثلا بتسمين سعده قبل الزواج بها-ص:227-228.
7- خلعه لصفة الولاية والرباط وكافة أنواع القداسة الدينية على يوسف باشا القهوجي, وهي وظيفة محورية للمفتي على امتداد النص, وقد تأكدت في كل مناسبة صغيرة أم كبيرة, وفي كثير منها تشتغل كدلالة على مصدرية المفتي للخرافات والخراب النفسي والتضليل, وفي مهمته هذه ينجح المفتي في إقناع جزء كبير من مجتمع الولاية من صحة مذهبه هذا.
وأنا هنا لست بصدد مناقشة معقولية هذه الفنتازيا في المجتمع الإسلامي الذي لطالما لعب فيه الفقيه دور المعلم والواعظ والمصلح والثائر ضد الظلم وغير ذلك بقدر رصدي لذهنية تكتب.
 
3- مجتمع الرواية- مجتمع الواقع:
تتميز شخصيات الرواية بالهشاشة والسلبية عموما, فالقهوجي ذو مكانة اجتماعية وضيعة, وقائد التمرد والثورة شحاذ لا يحترمه أحد في مجتمعه, والفقيه ليس فقيها وفق التعريف الذي حدده الإسلام في شروطية الإمامة, ورغم ذلك يستطيع هذا المجتمع المندحر دحر أعتى دولة ناهضة في عصرها على وجه الأرض, ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية, وأسر أكبر بارجاتها البحرية, كما يستطيع هذا المجتمع الصغير المتمثل في القهوجي والشحاذ والمفتي قيادة مجتمع الولاية الصعب, والذي شهد إسقاط عشرات الولاة هكذا بقدرة قادر, هذا كما جاء في النص, وهو طبعا كلام فارغ لا يمكن سرده حتى للأطفال, بينما لو استبطنا مجتمع الواقع الذي يشكل الأرضية التي نهل منها الكاتب لتسطير نصه, فإننا سنلتقي بمجتمع منظم يتأسس وفق منظور ثورة شعبية حقيقية يقودها جد يوسف باشا بصفته سليل تركيبة عرقية اجتماعية تتوسط بين السلطة وطبقات المجتمع المسحوقة ونجد أن أحمد جد يوسف قائد فصيل خيالة, وليس قهوجيا لم يحمل سلاحا أبدا, كما نلتقي بشخصيات دبلوماسية على طراز رفيع يقاومون الأطماع الغربية لعصور متتالية في زمن لمعان الصليب.
والسؤال الذي أؤكده كيف بمجتمع شخصيّاته الكبرى في منتهى العبث والسلبية والهشاشة أن يقاوم الأطماع الأجنبية إلى النهاية دون أن يسقط حتى النهاية؟ ثم أنني لم أعثر على معالجات حقيقية لمسائل عدّة منها الضريبة وأسباب التمرد الذي قاده الشيخ المسعودي, وهناك ما يمكن أيضا التنبيه إليه وهو كيف يتسنّى للشحاذ وهو مجهول النسب والهويّة قيادة قبائل بدوية ثائرة تقيم وزنا لقيم الانتماء القبلي الضيّق وتدفع بدم أبنائها كل يوم على مدى سنوات عديدات لمجرد أن الشحاذ يقودها فور موت الشيخ المسعودي بعد اندلاع التمرد بسنتين فقط في محاولات طائشة لثأر الشحاذ من الباشا, حقيقة لا أدري مجددا كيف أجاز الراوي لأطروحته أن تتقدم بهذا النحو؟!.
الذي يعلن عن نفسه بوضوح أن الراوي غير متمكن بالمعرفة الضروريّة لعالمه الفني الذي اختاره كقالب ليضع فيه أفكاره, وما يزيد ذلك يقينا أن المكان ظلّ أيضا بلا وصف يذكر فـ ( فندق العابرين- سوق الترك- مقهى الجنة- المقبرة اليهودية- ميدان نجوم الظهر- منزل صاحب الأقفال: بيت عزيزة- الجبل الغربي- القنصلية الإنجليزية- باب البحر- القلعة- قربة الأرنب- قربة الوادي- القربة الحمراء- القلعة الرومانية- الحي الأصفر -الإرسالية الكاثوليكية), كلها أسماء لمكان مبهم في زمن تاريخي مهم يحتاج المتلقي الإلمام بتفاصيله.
كما تجدر الإشارة إلى التنبيه لعديد الثغرات الفنية المتفرقة منها مثلا:-
- في أي مجتمع لابد من إحداث التوازن المطلوب بين الأفراد الذين يصنعون مجتمعا واقعيا أو متخيلا وذلك لمنح الحياة فرصة الاستمرار..
- من أهم مآخذي على هذا النص أن الكاتب لم يدرس المشاعر النفسية لشخصيّاته كما أنه لم ينقل ردّات فعل ضرورية منها مثلا:       
- مشاعر القهوجي إثر معرفته بأن من يقود الثورة في الصحراء ضده هو رفيقه القديم وطليق سجنه مسعود الشحاذ وأن حبيبته عزيزة المختفية كانت قد هربت من سلطانه مع هذا الشحاذ الطائش.
- لم يبرر الهروب المفاجئ لـ عزيزة مع الشحاذ والزواج بها رغم أنها لم تتعرض لأيّة ضغوط تجبرها لمثل هذه المخاطرة.
- هل يعقل في مجتمع شرقي ألاّ تكون أيَّة ردة فعل لإمام البلاد بعد علمه بأن زوجته تخونه ولمرتين, ما هذه الشخصيات البليدة التي لا تنفعل أبدا؟
- لغة النص لا تكشف عن عناء في سبك أجزائها من النثر الفني الذي من شأنه أن يعوض شحوب الفكرة.
وإزاء هذا السرد المتدفق بغير هوادة وبدون هداية أحب أن أدرج في حديثي هذا مقطعا جيدا عثرت عليه بعد تقصٍ, وفيه نقل مشاعر رفض عزيزة بعد إرجاعها إلى بيتها للباشا وللشحاذ معا واكتفاءها بالصمت:
(لقد يئست تماما من يوسف القهوجي الذي ألبس جبة الحكم الحريرية ومنح لقب باشا, فكان أن استغرقته تماما لعبة إصدار الأوامر التي لا ترد والأوامر المعاكسة الألقاب الفخمة من حوله إلى أن حجبت عنه الرؤية فما عاد يرى إلا نفسه في مراياه الكثيرة, أما الشحاذ المسكين فقد كان هو الوجه الآخر ليوسف القهوجي, آماله الضائعة وحقيقتها الغائبة وصوته الذي تحس به يرتعش في الهواء فيما هي تعد الدقائق متقلبة بين اليأس والرجاء, لقد كان يبثها حنين القهوجي الذي كان يهاب الدنو من بابها خوفا من أمها التي لا تطيقه فلا تسمع صوته هو, وإنما صوت الشحاذ المشحون بعواطفه المكبوتة تجاهها, فلم تكتشف إلا فيما بعد أنها كانت مخدوعة )- ص:357- 385. 
نص العنوان-دلالته:
    يعمل عنوان النص -الأرامل والوليّ الأخير- كخيط رفيع يربط أجزاء النص, وإذا فقد هذا العنوان فإن كل شيء يستحيل إلى معضلة فهم, لكن الكاتب يمنح متلقيه عنوان النص كهدية يضع فيه هدف النص وسر تسطيره له, وهو أن الولي الأخير كذبة سياسية ظلت تخلعها المؤسسة الدينية التي تسيطر عليها جماعة لها مصالحها المتقاطعة مع السلطة على رمز السلطة السياسية المهيمنة في دورة أبدية للسيطرة على المجتمع وتسيسه وفق مصالحها, أما الأرامل واللائي تشابكن مع الجميع من الباشا كرأس النظام إلى المفتي الرمز الروحي للمجتمع, وإلى قائد الحرس والمطالبين بالإصلاح السياسي الذي يتمثل في قادة ثورات الصحراء, هذا التشابك الذي يمنح الجنس الفعالية الأولى في تحريك المجتمع وفق منحنياته المتناقضة, ورغم أن الانشغال الأكبر الذي يقترحه النص هو  الجنس كفعل عبثي بين العلاقات المشروعة وغير المشروعة إلا أنني لم أجد بالا لنقاشه, وذلك لأنني لم أقف عند عتبات جديدة في هذا الموضوع القديم, وقد أثرت أيضا أن يكون نقاشي بعيدا عن القضايا الجدلية لصالح الاهتمام ببعض الجوانب الفنية غير القابلة للجدل, وعموما خليفة حسين مصطفى إذ يقدم اقتراحه البسيط هذا حول الدين والسلطة والجنس مستعيرا أرضية تاريخية من أخصب وأهم حقب الازدهار والتأسيس للكيان الليبي ألا وهي فترة العصر القرمانلي, وإن اختفت الملامح البارزة لهذا العصر في اشتغاله, وإن أسقط عليها آلامه الفكرية, فهذا خياره الفني, والضريبة الوحيدة التي تفرض نفسها عليه أنه خسر الوعي بها, هذا الوعي الذي كان قد يمنحه الكثير من الفن, ليته مثلا اتخذ أرضية تاريخية من فترة استيلاء علي برغل على السلطة من القرمانليين لمدة عامين وبدعم مالي من خزينته في محاولة لتأسيس مغامرة سياسية, في نطاق زمني شهد الفوضى التي يحتاجها الكاتب, وفي غياب انتصارات كبرى في البحر المتوسط, والتي أحرجت النص كما أشرنا سابقا, ورصد الهنّات وطرح المثالب على مائدة النقاش سمة دالة على أهميّة النص وليس خطوة إقصاء له عن طموحات الفن, بل على عكس ذلك هو حلقة وصله الحقيقية بالفن من خلال درسه وتفقده.
                                                                         
                                                                                                18-04 - 2006.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأرامل والولي الأخير-منشورات الدار الجماهيري للنشر والتوزيع والإعلان-الطبعة الأولي, عام:2005.
** رواية عدم الإمكان- مجلة المؤتمر-العدد:36فبراير2005.
مصادر غير مباشرة:
-القرآن الكريم.
-الموسوعة الفلسفية العربية- معهد الإنماء العربي, رئيس التحرير:د. معن زيادة, ط1: 1988.
-معجم ديانات وأساطير العالم, إعداد: أ.د إمام عبد الفتاح إمام, مكتبة مدبولي.
-الثالوث المحرم-بوعلي ياسين-دار الكنوز الأدبية ط:7, 199.
-الخيال الرمزي-جيليبر دوران, تر:علي المصري, ط1: 1991, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
-استيعاب النصوص وتأليفها, أندريه-جاك ديشن, تر:هيثم لمع ط1: 1991 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
- الميراث الدموي-إبراهيم الخليل, ط1 :1996, دار الحوار للنشر والتوزيع.
-المثقف العربي والسلطة, د.سماح إدريس, دار الآداب ظ1 :1992.
--في معرفة النص, د.يمنى العيد دار الآداب, ط1 : 1992.
- التأويل بين السيميائيات والتفكيكية, إمبرتو إيكو, تر: سعيد بنكراد المركز الثقافي العربي ط1 : 2000.
- الاستبداد ودوره في انحطاط المسلمين, نبيل هلال هلال, دار الكتاب العربي, ط2: 2005.
- الأسطورة والتراث د. سيد القمني, سينا للنشر, ط1: 1992.
- الإحساس بالجمال-جورج سانتيانا, تر: د.محمد بدويو مكتبة الأسرة ت:2001
-اليوميات الليبية[1+2], حسن الفقيه حسن, تح/الجزء 1:عمّار جحيدر- محمد الأسطى
تح/الجزء 2: عمّار جحيدر, مركز الجهاد, ط ج2:1, ط ج1:2
-الحوليات الليبية منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي, شارل فيرو, تر:محمد الوافي, جامعة قاريونس ط4:  1994
- ليبيا أثناء يوسف باشا القرمانللي, د.كولا فولايان, تر/د. عبد القادر المحيشي, مركز الجهاد,    ط: 1: 1988.
-طرابلس الغرب تحت حكم أسرة القرمانلي, رودلفو ميكاكي  , تر/طه فوزي, دار الفرجاني
-ولاة طرابلس منذ الفتح العربي إلى نهاية العهد التركي,  الطاهر الزاوي, دار الفتح  , ط: 1, 1970