عن
الذات والحداثة..
حوار مع
الشاعر صلاح
عجينـــــة
حاوره: صابر
الفيتوري
يبرز
اسم الأديب صلاح عجينـة, في حقلي الكتابة الشعرية والنقدية, وأصدر فيهما مجموعتين
شعريتين أو هكذا أريد لهما أن تكونا, الأولى بعنوان [كلام البرق]كتبت أنا مقدمتها
محاولا فيها الحديث في عجالة عن ذات الشاعر, وقراءة المنجز الذي به كسر رتابة
النمطية, والذي ولج إلى التجريب كمغزى دون أن يخرج منه, والمجموعة الثانية بعنوان
[قريبا من ناصية البئر والتحول] بدأ يتشكل فيها الحس بالصورة, وأخذت التجربة تأخذ
اتساقا مغايرا وثلاثة كتب أخرى منها كتابان ضمن سلسلة توثيق ثقافية حولها
استفهامات, كونها هل جاءت لتكمل النسيج الحداثي للكاتب, وهل وهل؟..في هذا اللقاء
سنتحسس بواطن الكاتب, سنستفزه لنقف عند مشاهداته وعند بذور أفكار قد تضئ نصه أمام
المتلقي, فتجربة صلاح عجينـة تمثل انبلاجا لتجربة جيل بكامله, همه العصرنة,
وبالتالي كتابة ديناميات ترسي منهج التجديد على التجربة الشعرية الليبية, والتي
وجدت الولوج إلى المتلقي عبر إصداراته المتعددة.
س/
أنت من أصغر الكتاب الليبيين عمرا, من حيث الممارسة حاليا أو من خلال بدايتك
المبكرة مع الحرف المكتوب, وفي ذات الوقت من أولئك ذوي الحظوظ في الانتشار والنشر
لاسيما مقارنة بجيلك الإبداعي وما سبقه..كيف تقرأ هذا؟
هي
حالة يمكن رصدها ومتابعتها بالانطباع والنقد أو بالتجاهل وعدم الاكتراث, هي هكذا,
أنا شخصيا لا أبحث كثيرا في تأويل ما أقف عنده كثابت, فالمرء أحيانا تنتخبه جبهات
قتال لها وتقتنصه أهداف كنقطة معادية وهو لم يحرك ساكنا, والذي يتهيأ لي هنا أنني
أجهل أبجدية القراءات التي ترسمني كافتراض حي, لكن هل يمكن القول بأني حزت على
معطيات تخصني وحدي؟..إطلاقا - أقول والله في قلبي الله- هذا لم يحدث, مدارك معرفية
متواضعة جدا, وظروف معيشية صعبة أو متوسطة وأجواء الثقافة في محيطي العام شحيحة
جدا, فقط هو الحس والإيمان بهذا الحس والعمل من أجل الإيمان ما يجعلني أكبحني من
الحياة اليومية لصالح حركة الثقافة وتداعياتها.. ثم أن أصغر وأكبر وأعظم وأكثر وأقل
وغيرها من صيغ المفاضلة أمقتها إلى النهاية, لا أحبها وليست من مظان استشعاراتي
الثقافية, هي معطيات تخص الببليوغرافيين والإحصائيين في دوائر الرصد الأدبي
والثقافي عموما, وهي أيضا لا تخص المتلقي بشكل مباشر, والذي يبحث عن رؤية ناقدة أو
نص شائه..وهذه الأفكار طالما تراود أولئك الذين خذلتهم نصوصهم فيباشرون في ابتكارات
من هذا النوع ليجدوا لأنفسهم مكانة تحت شمس الإبداع ..هكذا أفهم الأمر أو أقرأه,
ولابد ثمة من اشراقات مهمة لا يطالها الإنسان المبدع مهما خمّن وأنتج!..على أية حال
بالنسبة لي أسئلة كهذه وأفكار كهذه رغم شيوعها, وأنت تنقل عنهم لتؤدي دور المحاور
فإنني سأقول بإزاءها, [إنها هثرمة وإظلامات في عرار المرضنة
والصدأ].
س/
كل ما هو علمي ذو قيمة, لكن كتابتك في مجال النقد هي خارجة عن هذا السياق, فما هي
القيمة المتأتية من ممارستك النقدية وأنت لست أكاديميا؟
سؤالك ينطوي على تناقض ظاهري جدا, فالعلمي قد ينتجه
المبدع الذي يتسلح بمنهج وأسلوب البحث العلمي, والأكاديمي في أحيانٍ كثيرة تنصرف
أكاديميته فقط للضبط الإملائي, وبعض القواعد الشائعة الاستعمال حتى من غير
الأكاديميين, هذا ما يحدث تماما, ولطالما ما نشتبك مع أعمال صاغها أكاديميون, وهي
بمثابة الكارثة, والعكس أيضا يمكن أن يكون صحيحا, إذ كثيرا من الأعمال صاغها المبدع
الفطري وهي تتمتع بشروط البحث العلمي, والأدلة على ذلك كثيرة من زمن العقاد إلى زمن
العبد لله, ومن الطرائف في هذا الصدد أن أحد الأكاديميين ممن يتبوأون كرسيا لنقاش
الاطروحات الجامعية في تناوله لشخصية أدبية في إحدى الندوات الرسمية ذات طابع بحثي
علمي قدم ورقة تحكي عن فلان ابن فلان صاحب الآثار الأدبية التاريخية أنه كان يأكل
البازين وأنهى بحثه في ورقته المقدمة بأن فلان ابن فلان صاحب الآثار حينما كان طفلا
كانت أمه تقول له ديدش!!..مما استنفر الحضور العام للضحك والقهقهة المعلنة أمام
الملأ وأمام الله.
عموما فإن من الملاحظ أن الأكاديميين لا يرفدون الحياة
الثقافية بالشكل المناسب, فهم أقرب لحملة شهادات - أوراق مختومة- وليسوا حملة مشاعل
تنوير وفكر, طبعا هذا الكلام نسبي ولا يمكن القول به على الإطلاق هذا أولا, أما
ثانيا فلا يمكن مساءلة منتوج فني من وجهة نظر مسبقة تخص منتجه انطلاقا من أي
اعتبار, فالعمل الإبداعي يعالج بالقراءة والرصد وليس بالأحكام القطعية المسبقة, ثم
إن الفن في عمومه عمل تلقائي أكثر منه صنعة - مهنة- وحتى الذين لديهم أفكار سلبية
إزاء النقد الانطباعي لا يستطيعون أن يتخلصوا من الآثار الانطباعية التي هي
ذاكرتهم, وهي الأعمال التي تنبّهت لأهمية النقد بالأساس في العملية الابداعية,
والجدير بالذكر أن القراء يستمتعون بالنقد الانطباعي وتجلياته, والنقد الذي يكتبه
المبدع الممارس للعملية الابداعية أكثر من استمتاعهم بالنقد الأكاديمي الذي فضاؤه
الحقيقي طلاب المدارس الأكاديمية وبعض المهتمين فقط, على الرغم من أهميته وصرامته,
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم من كل ادعاء بإجابة يقينية.
س /
كثيرا ما ينجر الشاعر أو القاص للاشتغال على صياغة خطاب نقدي يكون غالبا خطابا
مبنيا على أساس ذائقة ذاتية مغرقة إما بالاحتفائية أو بالضغينة, هل تشعر أنك في
لحظة ما انجررت لهذا الاشتغال؟ إطلاقا, ولربما أسوأ أو أقسى عمل مارسته يقترب
مما تحدثت عنه هو مقالة من مقالاتي المبكرة, والتي لم أضمنها فيما بعد لأي كتاب أو
غيره والتي تناولت فيها الشاعر نزار قباني وعنونتها بعنوان فج على ما أذكر "ذبحة
شعرية اسمها نزار قباني" ومعها بعض العناوين الفرعية ذات الفرقعة والمقالة لا تخلو
من انطلاقات عقائدية, وصحيح أنها تتضمن أفكار لازلت أُقر بها, وصحيح أني لا أقرأ
لنزار إلى يومي هذا, وصحيح...لكنني إذا ما عدت إليها أشعر بفكرة استباقية جعلتني
أنتهي إلى ما انتهيت إليه, وهذا حتما راجع إلى محيطي الضيق - العائلي- والذي حاصرني
في بدايتي بنظرة أحادية تنظر إلى الحياة وفق منهج عقائدي مغلق, وعندما تفتحت
التجربة الصوفية في قلبي وعقلي وعندما صرت استوعب شيئا من الأفكار الكبيرة عندها
فقط صرت لا أقرأ الكلمات بل استبطنها ومن ثم موجة جديدة من الأفكار والقناعات
والأحلام.
ثم
أنني أشعر بالضيق من الحكم على إنتاج إبداعي من خلال رصد مثالب صاحبه, وكذلك بالضيق
أيضا عندما نحاكم الفكر بمنهج العقائد, الفن للفن إلى النهاية, ولا مجال للفن في أن
يخدم شيئا غير نفسه بالدرجة الأولى والثانية والسابعة والعشرين. الحيادية
مهمة في صياغة مشاريع إبداعية متفوقة, كما للاحتفاء والترصد من أجواء وأدبيات
وإثارة وعنفوان, والمبدع على أية حال ليس نبيا إلى النهاية, إنه نبي أرضي, وأحيانا
محلي جدا, بذا له أن يحتفي بما تحدّثه به نفسه على كونه يستحق الاحتفاء
والعكس.
س/
تحاول دائما استعراض معرفية ما تدخل في جدليات وتسوق خلالها أسماء كثيرة لفلاسفة
ومنظرين بينما تحجب أسماء شعرية هامة فما السبب؟
ليس
بوسعي الآن أن أتقدم خطوتين واثقتين في مجال الدفاع عن أحداث وحوارات لا ترصدها
الذاكرة المدوّنة التي هي الرأي الثابت أو المقام, أما المشافهة وما يتشابك معها من
مداخلات فهي أحوال متغيرة ومتجددة دائما. ثم أن كلمة - تحجب- كلمة ملغّمة في هذا
السؤال تحديدا, أرجو أنك تقصد من خلالها أنني أهتم بفلسفة الشعر والفن أكثر من
الشعر نفسه, ولو كان هذا الذي تقصده فهذا يعود لطبيعة الحوارات والنقاشات التي عادة
ما تلتئم على الآراء المتعددة والمتناقضة التي تتأسس داخل فلسفة الفن وأهدافه, أما
بالنسبة للشعر في ذاته فهو - بالنسبة لي - تذوق وخشوع, وبالتالي الصمت المطمئن,
أرجو أن أكون قد فهمت سؤالك على النحو المطلوب.
س/
وأنا أقرأ نتاجك الشعري أو حين أستمع إليك لا أهرع للتصفيق على الرغم من إدراكي
للانمطية التي تسعى إليها وللدهشة التي تتقافز بين تكويناتك الشعرية, والسؤال هنا
أين هو المتلقي في معادلة الإبداع وهل ثمة من توافق بين المبدع ومتلقيه في ظروف
كهذه؟
أولا
أنت لا تهرع للتصفيق هذا أمر في حد ذاته يعد جيدا, وطبيعي جدا, بل وشائع الحدوث في
ظل المناخات الصحية لأن التصفيق يتم للكذب السياسي في قاعات القرار, ويتم أيضا في
مسارح الرقص والغناء, وكان أيضا يخص الشعر حين كان يرزح تحت وطأة الغنائية, أقصد
حينما كان الشعر ليس طموحه الكامل أن يكون شعرا خالصا لوجه الشعر
العظيم.
ثانيا أنا لا أسعى بشكل متعمد لأن أصنع أي شئ داخل
إطار عملي في حقل الكتابة الشعرية. واللانمطية والدهشة صارتا مصطلحين لا يمكن
التنبؤ بعواقبهما بشكل واضح, واترك الكلام هذا إلى أن تجعلني الظروف أتفهم جيدا
جدوى هذا الطموح داخل المتن الذي أكدّ في نثره.
ثالثا المتلقي يصنع توافقه مع المبدع الذي بإبداعه
يؤمن مستشعرا أن المبدع متكئ على يقين, والمتلقي ليس بالضرورة أن يخضع لإحصاءات على
غرار الإحصاءات السكانية, ومن ثم رسم منحنى بياني يقول بالنص الأعظم الذي يجسده
مثلث كبير, حالة الشيوع هذه تخص النصوص التي تستجيب للآنيّة والخطاب المباشر ذو
الأماني المحدودة, النص العظيم الذي يفوز بمتلقٍ عظيم وإن كان بشرا واحدا فقط, لكنه
عظيم, هكذا تقاس الأمور, خذ مثلا مئات من الجموع العربية صفقت وهتفت للسُباب ولحالة
الاحتقان التي صرخ بها مظفر النواب تحت مسمى شعر في وترياته الليلية, وأنا هنا لا
أقول بعدم شاعرية هذا السُباب العقائدي, ولكنني أقول بالمتلقي الذي تقول به
الإحصاءات ذات المنحيات التي لا تفرق بين متلقٍ ومتلقٍ على غرار الإحصاءات السكانية
التي لا تفرق بين بائع الحب ولصوص الحارات.
س/
هل تعتبر قصيدة النثر بنتا شرعية لقصيدة التفعيلة, وما رأيك في تصادم مصطلحات
التجنيس الأدبي؟
يجب
أن يتم الفصل بين لغة الإرث العقائدي وبين لغة الفن: كقولك هذا ولد شرعي, وهذا ابن
حرام لا يمكن اللجوء إلى القياس والإجماع والسند في عملية الخلق الفني ولننتبه هنا
إلى مفهوم [الخلق], وإذا ثمة من إجابة توافق نمط سؤالك فأنني سأقول أن قصيدة النثر
خلقت هكذا كبعث, كما بعث النبي عيسى بدون أب وهو صاحب أكبر ديانة تقول بالله على
وجه البسيطة, وأذكر أن أحد مدرسي اللغة العربية ولا أجدني أقول بأكاديميته كتب-
وزميل له - عن قصيدة النثر واجترّا ما قاله ألذ خصوم الحداثة في أي دولة في العالم
العربي باستثناء ليبيا بدءا بتأصيلات على نحو تخلف العرب واحتلال القدس ونكسة1967
وانتهاء بتأثيلات على نحو سقوط غرناطة وحرب القرصنة وانهيار إمبراطورية آل عثمان
وهجرة العقول العربية وغلاء المهور وكل هذه التأصيلات والتأثيلات جرّاء تدهور
الثقافة العربية نتيجة انبعاث قصيدة النثر الوبائية, هذه فضيحة مكشوفة تدعو للفرجة
والضحك في أوقات الفراغ وقد وجدتني في استطلاع أو تعقيب على ما أذكر بصحيفة
الجماهيرية أقول بخصوص قصيدة النثر وروادها من الجيل الشاب في ليبيا
الآتي: [ الشعراء من أهل
قصيدة النثر العظيمة أفراد قرآنيون يحترمون الملل والطوائف والجماعات والتجمعات
جميعا ويتعاطون مع الجمال أينما كان وفي كل زمان ولا يصادرون أحدا بخلاف التفعيليين
من العهد الحر الجديد والعهد المقفى القديم الذين تسكنهم أفكار
الأيبرمنش].
وبالنسبة للشطر الثاني من سؤالك فهذا أمر مرتهن بتقهقر
الوعي بالمفاهيم وبإمكانات الفرز وبالربكة الكبيرة في مجال العمل بالمصطلح داخل
نطاقه العلمي, بذا إذا من صدام سيحدث فهو صدام التقهقر مع نفسه.
س/
أفضل مجال للكاتب للتأصيل على أنه يبشر بفكر حداثوي هو التاريخ, وأنت تناولت
التوثيق في سلسلة كتب, ألا تعتقد معي أن طرحك لم يختلف عن كتب شبيهة صدرت قبل نصف
قرن, وألا تتفق معي أن التاريخ أرضٌ خصبة للتفكيك, كما أن التاريخ فيه أشياء يحبذها
الدارس أو المشتغل على الأدب ليسبر أغوار الماضي بالسؤال ويلائم ذلك بأطر
الحداثة؟
ثمة
فرق شاسع بين رصد ذاكرة في سبيل الثقافة الوطنية وبين التأصيل لمشروع حداثوي, وأتفق
جدا مع الفكرة القائلة بأن التاريخ مرتكز للتفكيك كما أن للباحث أن يلائم من
التاريخ ما يشاء.
س/
في رأيك هل يختلف سؤال الحداثة في الشعر بين الشرق والغرب؟
الذي
يهمني من سؤالك عدة موضوعات أكابد استفهاماتها دون جدوى, وهي تتعلق مباشرة بالشعر
الذي يستجيب إلى تنظيرات ما بعد الحداثة في حين أن منتجه يقطن في بيئة متخلفة حتى
على نفسها. ثمة شعراء مثلا يكتبون قصيدة الومضة وبطزاجة في حين أن البيئة التي تصوغ
وجدانهم بيئة قروية يقضي أفرادها 28 ساعة في النوم يوميا, ولا أجد لهم من قدرة في
تحدي الوقت والقلق إلا استلافهم من السماء 4 ساعات على سبيل القرض المؤجل
الدفع..إنني أعجب بهذه النصوص لكن البيئة المحيطة بعمليات إنتاجها تدفعني إلى
السؤال عن مدى صدقها في التعاطي مع قضايا بيئتها وإيقاع زمنها. أذكر مرة أن الفنان
الصديق علي الزويك أشار إليّ بملاحظة مهمة وهي كون انتشار المقاهي السريعة الراجلة
في حين أن زبائنها ممن يدمنون الموت وقوفا على نواصي الطرق في انتظار الذي يأتي ولا
يأتي في أكبر عملية لنزف الوقت هدرا..فهل هذه المقاهي منسجمة مع إيقاع الحياة لدينا
- طبعا - وبكل ثقة أقول لا , وإذ أنتقل بهذا السؤال إلى الشعر فسأشعر بالخوف
على تجليات مهمة تخص ذوقي وتخص النثر وأخشى أيضا على نفسي.
س/
نطالع نقدا وتنظيرات وكتابات تنطلق من الشكلانيين الروس ودوسوسيير إلى حلقات براغ
والسيميائية وسيمولوجيا التفكيك يتركز على البحث في مناهج تلائم قراءة النصوص هل
هذه الممارسات منسجمة مع ديناميات التكوين الاجتماعي لدينا ؟
إن
التنظير للعمل الفني يعد أمرا مقبولا طالما يحمل بين طياته حلما في الاقتراب من
النص الإبداعي, ولا يمكن بحالٍ من الأحوال تجاهل منجزات هذه المدارس التي أشرت
إليها, إلا أنه حينما نسحب أفكارها وتطلعاتها على النصوص المنتجة لدينا فثمة عقبات
وأخطار تتصل مباشرة بنظريات اجتماعية لا استوعبها, لكنني أشعر بها, ثمة فروق شاسعة
بين بيئة مدينية تشهد ازدهار التقنية والإعلام, كما تشهد رفاهية العمل الثقافي, بل
والنقدي بمختلف أجناسه وحلقاته, وبين بيئة تعاني أصلا من أمية الحرف وغربة لغتها عن
العالم كما تعاني من مشاكل في المصطلح وترجمته, ومن ثم فإن الذين يتعاطون مع
المدارس التي أشرت إليها إما على سبيل الاجتهاد والذي لا يخلو من أخطاء أو من
المدعين الذين يتشدقون برطن أفكار مشوهة على مقاس فهمهم..أذكر في إحدى المهرجانات
المحلية حدثت مشادة بيني وبين مجموعة شباب يقولون بمدرسة نقدية , وسبب خلافي معهم
في كونهم لا ينهضون بإجراءات تطبيقية على نصوص ليبية أو عربية, بل انكفأوا في
اجترار أفكار عامة تخص علم الأدب, ومصادرة ما ينتج عندنا بحجة عدم ثراءه وفي كونه
لا يشكل مادة خام لأفكار المدرسة التي يتبنونها وحينما تعاطيت معهم الحوار
أكثر وجدتهم لا يجيدون من اللغات المنتجة للمدارس التي يعتنقونها لغة واحدة, بل
وقفت على تعثرهم الصارخ في العربية, وعلى أية حال دائما أجدني عند اسكاربيت عندما
يقول ثمة ثلاثة آلاف طريقة لارتياد النص الأدبي, والذي يهمني الآن تحديدا هو
التعاطي مع النص انطباعا كان أو بمنهج أكاديمي أو بأي أبدوعة أو تحميل, المهم أن
ينشط الحوار مع النص , والإشكالية من يقرأ هذه المدارس بجدة وحزم ؟ ومن ثم من ينهض
بالفهم من خلال أعمال جادة ؟ فليس ثمة في الأدب شئ غير جائز, وليس ثمة من شئ يجوز
باستمرار, الأدب عملية يقينها عدم اليقين ..هكذا أفكر الآن وربما أتطور عن هذا
الكلام وربما أتقهقر !.
س/
غياب القيم الحقة والجنوح إلى السوقية وتناول المحاذير الاجتماعية كالجنس, وبعض صور
الدناءة البشرية يسوقها البعض تحت معنون ما بعد الحداثة هل هذا صحيح وهل نحتاج أدبا
على هذا النحو؟
من
تنظيرات ما بعد الحداثة القول بالفن الذي يستجيب لواقعه, ولعل أبرز من نقل المضامين
التي أشرت إليها الأستاذ محمد شكري عبر رواياته التي أخذت شكل السير والذي تبناه في
ليبيا الأستاذ الصديق محمد الأصفر في روايات ترصد اليومي وبشكل سرد حر متدفق غير
معني بوضع حبكة فنية والأستاذ خليفة حسين مصطفى أيضا كان من المشتغلين مبكرا على
توظيف الجنس من خلال الخيال الشعبي والتراث الليبي في رواياته, والغريب هو أن نربط
الجنس بصور الدناءة البشرية. عموما ثمة روايات أخرى كثيرة تعرضت لكسر التابوات
الدينية والسياسية, ووجهة نظري تدعم مثل هذه الكتابات متى كانت تستجيب
لواقعها..العمل الإبداعي الكبير لا يعترف بالمحاذير والتابوات.
س /
مشروعك الثقافي كيف ترسم حدوده أو بالأحرى ما هي أهدافه؟
إنني
حاليا أعيش فوضى من الأفكار والأحلام الصغيرة والكثيرة في آن, كما أفكر بجدية لهجر
الكتابة أصلا, أفكر بتضاد رهيب يكاد يمزقني, وأكاد لا أجزم بأن لي هدف أصلا في
الحياة, اللهم إلا إذا رجعت إلى الله عندها فقط, استوعب أنني لابد من أعبد الله
بطريقة ما, لكن لابد من عبادته, أرجو أن أكون تحدثت بصدق مطلق مع خالص
تحياتي.
---------------------------------------------------
نشر
بمجلة الثقافة العربية-العدد:262-263, [أغسطس- سبتمبر] 2005.