احتفاء بالصمت في
ديوان
لا أدري تماما كيف قررت أن أنشئ
علاقة قراءة مع ديوان الكاتبة أم العز الفارسي الموسوم بـ "ديوان الصمت "..فأنا
قليل المغامرة في حقل القراءة الشعرية..ذلك لالتزامات معرفيّة كنـت قد قطعتها على
نفسي..و لا أدري أيضا جدوى هذه الالتزامات من عدمها..لكنني لطالمــا أجدني أول من
يأتي على تقاليده و سننه في القراءة و الكتابة..بل في نظرية الفن والحياة في
عمومها..رغبة في البحث و الاكتشاف..و أثناء ذلك لا أجد حرجا في اختبار الكثير مـن
الأفكار والرؤى التي كانت بمثابة قواعد لموقف معرفي ولا أرتاب في جعلها مادة للتندر
إذا لـم تصمد بثبات.. هذا الفضاء طالما أجد بين ردهاته خيطا رفيعا أو مساما دقيقا
إلى فن ٍأمارس معه لذّة الاكتشاف..و حينما جُبت ذاكرتي لأتذكر إسهامات إبداعية
للكاتبة أم العز الفارسي لم أجدني أقف عند حُلم شعري أو غيره بقدر ما التقتني تلك
المقالات و الدراسات في الحقل الاجتماعي والتوعية الصحيّة وغيرها من ممارسات
الصحافة..لكن سرعان ما برز اسمها لدّي عنيدا عندما عادت بي ذاكرتي إلى مجلة لا..فهي
التي أهدى إليها شاعر ليبي قصيدته " بلاد تحبها و تزدريـك" و تذكرت في الحين
اندهاشي عن سر إهداء قصيدة بحساسية عالية إلى كاتبة.. كان في نظري أن الأنثى و إن
كانت شاعرة يمكن حوارها بوردةٍ أو بقصيدة من الشعر الحالم..لا بالأسئلة المُرّة و
لما قرأت ديوانها الصغير تلاشت حيرتي تلك و طفقت أفاجــأ بأنثى تكابد أرتالا من
المعاناة و كثيرا من المسؤولية الأخلاقية نحو محيطها العام..
أنثى بحجم حلم لا وطن له
..
لقد
تعوّدت - ولا أقول تعودنا - أن التقي بالأنثى الليبية ككائن انهزامي..مضطرب
النفسية..قزم الإرادة..ليست له أهداف واضحة.. أنثى تجلس على سنم البحث عن زوجٍ
..ففي عقد السبعينات تمنّته شابا عصريا يرتدي "البتلز" و يؤنق شعره" كاسكو" و يكره
الحجاب المتخلف و يسافر بها إلى أوربا..وفي عقد الثمانينات تمنته شابا تخرج في
الجامعة..فإن كان طبيبا فالقمر قد رقص حقا..وإن كان جنديا في العسكرية فإن القمر قد
مات مئة مــرة..أما في عقد التسعينات فتمنّته و تتمناه مواطنا يملك حجرتين و
مطبخ..و مع الألفين و نظرا لظروف مختلفة..فإنها قررت التنازل عن كامل شروط فارس
الأحلام.. اللهم مادام يمـلك رئتين عاملتين..و خلال هذه العقود المنصرمة ونتاج
للظروف السابقة برزت أدبيات تمثّلت في ظاهرة مكونة مـن نوعين من الكتابة..الأولى
اتخذت مفهوم الكتابة الأدبية كأداة تعبير عن الضيق..عن سقوط الحُلم الذي أشرنا إليه
آنفا وهذه الآثار الأدبية تصلح لدراسات اجتماعية معمّقة..أما النوعية الثانية من
الكتابات الأدبية النسوية أفرزتها كاتبات كن بالأساس عاملات في قطاع الإعلام و
الثقافة أو صحفيات تحولن إلى أديبات نتيجة النشر في الدوريات الرصينة و الإصـدارات
المختلفة..و بين هذا الهزء العريض يصعب اكتشاف الأصوات الأصيلة
للفن..
إن
ذلك عمل يحتاج إلى مغامرة حقيقية و من نوع
خاص..
و
رغم رداءة الكثير من القصائد المضمّنة في "ديوان الصمت " و كذا رداءة الكثير من
الجمل في بعض القصائد الجيدة..إلا أن ذلك لم يأت على سؤال الشعر برمته..فثمة خلق
فني أنشأته الحرقة و الألم الإنساني الذي تحبل به الكاتبة..وهي لا تبحث عن انتصار
شعري أو تحـقيق أهداف فنية للنص الشعري.. فتلك غايات يبحثها شعراء مختصون بأسئلة
الشعر الفنيــة.. أما شعراء القضايا فهم متجمهرون على نواصي قضاياهم و
يدفعونها شعرا إلى بعدهـــا الإنساني..
و
لننظر إلى هذه الأسطر الشعرية الواردة بين ثنايا بعض قصائد الديوان :
# ألا إنها
الحرب
فلتسقط
الراء
بالسيف أو بالمشنقة. ص 12
.
# و
أنت هناك
لا
أرتجيك
و
ليس بفكري سواك
آمنت
أن أغمد السيف
دعه
يمر ..
و
أصمد ..لكي لا تسال دماك . ص 19.
#
آتيت.. فأهلا و سهلا
خذ
من بقايا العمر ..عمرا
تركتني وحيدة ..على الدرب أحبو ..
فهل
لك..لي..أي شئ ؟.. ص 25 .
#
لأني أخاف الجراح
فكيف
أداوي جراحي بجرحك ؟.. ص 36 .
#
عرفت أن الموت كافر . ص 51 .
و من
النماذج السابقة يتضح أن الكاتبة تنزف لغة نضال، فمن أفعال الأمر إلى معجم الـــدم
و السيف و الجراح و العمر المبدّد..و يمكن ملاحظة التالي:
- أن
القصائد اعتمدت على الرسالة إليه و هذه الرسالة لم تكن رصدا لمشاهد رومانسية أو
نحوه..بل كانت بمثابة دروسٍ في العزيمة و التحدي ..إنها تقول :
بدوية ..أغض بصري
استهجن ذل الرجال . ص 40 .
- أن القصائد اعتمدت في عمومها على الأسلوب
السرد القصصي - الحكاية - بشكل رئيسي مع بروز ظاهرة الإنشاء و الذي يتحول أحيانا
إلى ضربٍ من الركاكة .
- الأجمل في الديوان جملتان :
الأولى جاءت كمفتتح و الثانية كإهداء ..و هما على
التوالي :
" كل
حرف ..جرح أدمى قلبي و كان تذكارا لسنوات الجمر "
"إليهم جميعا ..من عاشوا المحنة و تدثّرت بدفء قلوبهم
" .
--------------------------------------------------------
"
ديوان الصمت " مجموعة شعرية ..منشورات مجلة المؤتمر 2004 ..أم العز الفارسي
.