الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
الشاعر عبد المجيد القمودي صالح
إحاطة وتقديم
" مقدمة كتاب زغاريد أخرى حول الشاعر عبد المجيد القمودي صالح"
  
يبدو جليا انشغال قصيدة عبد المجيد القمودي صالح بهموم الوطن والكتابة بالنوايا الطيبة, وأنا لست منشغلا بها كقصيدة تحمل سؤال الشعر فقط, وإنما بحب كاتبها لبلده.. إن الحب أكبر من أشياء كثيرة, ولربما الكتابة تكون إحدى هذه الأشياء.. قصيدة مشبوبة بالخلق والتعثر.. بالشعر والكلام... ساهمة في اليومي بكثافة سمتة ومدافعة عن أفياء ليبيا وقيظها.. قصيدة لعنة في وجه الرجعية الفكرية و الأخلاقية.. لقد كتبت بهذه الروح وأسلمت للنثر العظيم, ولم تستلم كلية للأطر الرهوة التي سنّها ذوق عصر غابر..
والمرء وإن كان مكتنزا بالنظر والتأمل في سلالات الشعر ومنسوخاته لابد وأن يحترم الجوهر الوضيء الذي سكّت شأفتها منه.. ولابد أن يرصّع طريقه نحوها بفكر أخلاقي تحركه رياح جليلة من عقد الستينيات الليبية..
وإذا أجمع شواردها من أضابير جرائد قديمة وأوراق منتصرة للأمس.. ناهضا بها من كلكلة الضياع ومجاهل التوثيق فإني أردت لها أن تضرب شأوا في أوعية الثقافة الليبية, وأن تموت هناتها وإعاقاتها في سلة مدماة بمئات الكلمات الليبية المسلوق وهجها أو التي جَبُنَتْ عن المفازات..
أريدها أن تتخذ سبيلها نحو المكتبة الليبية..
إن ليبيا في حاجة إلى تراكماتها وركامها الإبداعي في آن.. حتى تحبل بأدبيات كبيرة..!! عبد المجيد القمودي صالح امتلك من الشعر حرارة القول, ومن الصدق رعانه, ومن الفن قتال من أجله, ومن الاكتواء بالكتابة ما تيّسر منه.                 
..1943 ولد بمدينة الزاوية, حاضرة الغرب الليبي, والمتلفعة أبدا بالباسق من النخيل والقباب التي شقت طريقها نحو السماء كبعث روحاني يكتب للرائي سر الرباط..
ودفن جسدها الطاهر في ترابها القديم أيضا عام 1974 بعد أن أكل المرض عظمة ساقه.. وظل شعره قادرا على الحياة في ذاكرة الثورة.. ظل زغاريدا مدويّة كلما كان للثورة عيد, ولم يكتف بذلك, بل اتجه إلى أنثى مطْلَقة يقول لها وعنها كلمات ليست كالكلمات.. كتب أحاسيسه بلغة سلسة بسيطة حد الإغراء بكتابة نظيرة وشاقة في اكتنازها العاطفي..لغة تحبل بالكثير من  المترددات اليومية التي تلوكها ألسنة العامة, فعل ذلك ليحقق رغبته في أداء مناسك خطبة جماهيرية يتفاعل معها الجميع, وللمرء إن كان واقعيا أن يحترم توجهات الآخرين وأرضيتهم الحضارية.. فأقران عبد المجيد ولاسيما من مواطنيه تخرجوا في مدرسة الكتاتيب الأرضية رافعا شعارات الثورة فلا بد أن يعلق به شيئا من ذلك حتى وإن كان شاعرا!!..
ويمكن- باختصار- توصيف تجربته الشعرية بالآتي:
- تعتبر قصيدته انعتاقا أوليّا- وإن كان في ظاهره عفويا- ونشاطا للقصيدة الليبية في حقل الطموح التحرري الذي بدأت استنهاضاته وعلاماته عند منتصف القرن المنصرم في عالمنا العربي, وهي بالتالي تكتسب صفة المغامرة في جانب الإيقاع الخارجي لحساب الإيقاع الداخلي فقط, ولم تطل هذه المغامرة أركان القصيدة الأخرى..
وبهذا يمكن القول أن هذه القصيدة إحدى المساحات التي شكلت الأرضية لقصائد ذات جدة وذات سؤال جوهر سيكابدها شعراء خلال عقدي الثمانينات والتسعينات في ليبيا, ولا جرم القول أن قصائد "رجل بأسره يمشي وحيدا" لمفتاح العماري أو " أكثر مهابة" لمحيي الدين محجوب مثلا ما كان لسؤال الشعر أن ينعقد في نشاطها التعبيري لولا التربصات الأولى التي خاضتها القصيدة في ليبيا من خلال نماذج وشعراء تشكل تجربة عبد المجيد القمودي صالح إحداها.
- اللغة لم تغامر بنفسها, لذا ظلت تحبل بضمور الرمز في خطابها على طول امتداد التجربة التي استغرقت الفترة الممتدة ما بين كتابة أول قصيدة عام 1962  إلى تاريخ وفاة الشاعر عام 1974, وبذا نلحظ طغيانا لسلطة المفردة المستمدة من تاريخها اللغوي والأخلاقي عبر تاريخ القصيدة, وهذا ما يتوافق مع فكر الشاعر وجماليته التي ظلت تحتاج إلى الكلام بمعناه المحدد.. هذا المطلب قد احتاجه الشاعر فعلا لإعادة صياغة نشيده باستمرار بما يتوافق مع القضايا التي كابدها وتكابدها البلاد.. فالشاعر في عقله الشعري رسم خطوطا محددة للتعاطي مع قضاياه وأول هذه الخطوط تحقيق اللغة لالتزاماتها التقليدية نحو المفردة الشعرية..
- الأسلوب في تجربة الشاعر قد تراوح بين الأسلوب الخطابي- وهو الأصل في التجربة- إلى الأسلوب القصصي وأسلوب الحوار أو المونولوج..
وبالرجوع إلى ما أسلفنا في نقاشه يجد الشاعر ضالته الأنسب في الأسلوب الخطابي لأنه الوسيلة الصاعقة لتأجيج الكلام و بمعناه السلبي- أي الأسلوب الخطابي - بمثابة الصراع مع موت حضاري وليل أبدي يقترح الشاعر نفسه خلاله كمنقذ يملك أيقونة المعركة, وهذه الظاهرة تحقق شيوعها في تاريخ ثقافة العرب والشرق برمته..
إنها تكشف عن هوة سحيقة في بنية العقل العربي, بينما الشاعر الذكيّ لا يتورط - إطلاقا- في إجابة.
الشاعر الفذ- أساسا- تجربته لا تتعهد بأي إجابة..
والشاعر العربي قد انتبه إلى هذا طامحا لإسدال الستار عن هذه الفجوة بهجائها-طبعا- ليكرس طريقته الأزلية في تناول المضامين المقترحة للعلاج عبر سؤال الشعر..لكن هذا سوف لن يجدي حتما حتى وإن كانت النوايا حسنة إلى النهاية..
لقد امتلأ الشعر العربي الحديث بهجاء ما هو "خطابي" وجعله مشجبا للضمور الحضاري للعرب.
فمثلا..يقول نزار قباني:
إذا خسرنا الحرب لا غرابة
لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابه
بالعنتريات التي لم تستبح ذبابه.
لقد نكلّ نزار بالخطابة وقد كان من عظام ممتهنيها!!..أمتهنها بفن...لكنه أمتهنها على أية حال!!
وأنا لا أحتاج للقبض على شاهد من قصيدة للقمودي تمنحني الدليل فيما أذهب إليه من أفكار ومقترحات توصيفية..فشعره كله شاهد, والمناسب أن أقول أن توصيفاتي التي أبعثها حول قصيدته يمكن للمتأمل القبض على ظواهرها بدون عناء يذكر!!..
ماذا أريد أن أضيف هنا؟..
.. إن كل قصيدة للقمودي تمثل عمله الشعري بأسره, وما دام المرء تكتنفه إطلالة أبدية لما هو شعري يمكنه فعل ذلك بيسر أو استيعاب ما نقترحه من خصائص نزعم أنها تشكل مقاربة لقصيدته.
- أيضا يمكن القول أن هذه القصيدة بنت قصيديتها بإعادة صياغة أحداث ووقائع تاريخية لها الوقع في وجدان المواطن العربي..
فمثلا في قصيدة "مناحة على سور الردة" يتضح استنهاض الشاعر لقصة الفتنة الكبرى وتداعياتها واتخاذه لسراقة أنموذجا سلبيا طال أطراف المعركة المتناقضين..
يقول النص:
سراقة- أنت الذي اغتلت "عليا" بعد أن قبضت من معاوية
سراقة أنت الذي اغتلت بنفس السيف مشتريك
حين استحالت لحظة التفكير - فيك
فكانت الفتنة بدء الهاوية
كأس أنت الذي صنعت باب السجن والأقفال الزنزانة, وصغت تاج الملك
سراقة أنت الذي أعلنت أن أي كلمة تقال خلف عرشه خيانة وأن حبه فريضة والطاعة العمياء- في حرابه- أمانة.
ثم يمضي قدما في لجوءاته للتاريخ الإسلامي كملهم لتفسير الآني وككنز يمكن للقصيدة أن تجعله ذخيرة مضمرة في تجلياتها, تأسر متلقيها ولا تمنحه السر, فجاء بقصة أبي لهب وثبوره الذي أعلنه النص القرآني في سورة المسد.. لكن الشاعر لا يقف هنا, بل يزيد التنكيل بسراقة بوصفه المثل السلبي المنتخب في قصيدته بتقديم نماذج إيجابية, ليوازن الأسود بالأبيض والشر بالخير..تجلى ذلك باستحضاره لخالد بن الوليد وسيفه وعكرمة وبسيد الكائنات محمد عليه أفضل التسليم.
أما في قصيدته" محنة الورّاق" فإنه يستعرض لخدمة فكره الشعري قصتين قرآنيتين هما قصة أهل الكهف وقصة إبراهيم عليه السلام, وبسقوطين مدويين في تاريخ العرب والمسلمين وهما سقوط بغداد وقرطبة..
إذن نستطيع أن نخلص أن الشاعر قد استفاد من هذه الميزة التي تمنحها القصيدة, إلا أن الملاحظ في استخذائه هذا وقوعه شراك السردية المزعجة لسؤال الشعر في كثير من لجوءاته التوظيفية من تاريخ الإسلام العربي..
ففي المثال السابق مثلا وتحديدا في سطره الشعري الأول:
سراقة- أنت الذي اغتلت"عليا" بعد أن قبضت من معاوية.
في قوله بعد أن..إلخ, يقع الشاعر في إحداث جلبة منفرة..إنه كثيرا ما يريد فعل ذلك, وذلك لحرارة الإجابة التي يود تقديمها!
أليس كذلك؟!
إن شعر القمودي مملا شأن كل شعر ينهض بإجابة
- الديوان: القول العربي المأثور ينص بـ" الشعر ديوان العرب" وينص أيضا بـ " لولا الشعر لضاع تاريخ العرب" إلخ.. أما أرنست فيشر فيؤكد أن " الفنان لا يستطيع أن يحس سوى الأشياء التي يقدمها له عصره وظروفه الاجتماعية"..
في قصيدة عبد المجيد القمودي صالح نلتقي مثلا بجزيئات الحياة الليبية التي اختصرتها الأيام بابتكاراتها المتدفقة فتمنحك الشعور بحنين خرافي يأسرك حتى النهاية..
   في قصيدته " مواويل إلى مدينتي" صور مؤكدة من شوق أبدي نتفاعل معه اليوم بوعد آخر.. لكأنك حين تمارس معها اللقاء تستمع إلى صوت هادئ يأتي من بعيد أو من ذاكرة تجدد دمها بهدوء مطبق.. إنك ستشعر بشيء من هذا ما دمت تعقد قرآنا بين القصيدة ووجدانك المنصت!!
تأمل:
أنغام أغنيات شعبية, في منتهى الشفافه!
لصبية يلهون في الحارات.
.. وهمس العذاري الحالمات
سألن عند الباب عن "عرافه"!
كانت تبيع" السعد" في الطرقات.. 
ويسرح المساء..
على حكايات فوانيس الضياء
أو
عيناي تنتصبان.. تنتحران
عن أكواخك المتناثرات على الدروب
قلبي, بطرف حبالها مصلوب
وعلى بيوت من صفيح
متشنج الأعصاب, مشلول, ذبيح
أما في قصيدته "في حياة مواطن"والمضمنة في ديوانه"أغنية البحر" فإن الديوانية في رصد المكان بجزيئاته الدقيقة تحقق أعلى مستوياتها في تجربة الشاعر, ولنتأمل هذا الجزء من القصيدة المشار إليها: تقول "البطاقة" أني "فلان"..
ومسقط رأسي هذا المكان
بيت قديم.. من الطوب جدرانه, والسقف..
خليط- فبعض عصيّ, وبعض سعف..
به حجرتان..
بإحداهما يقطن الوالدان..
- فقيران من كل شيء
عدا طيبة النفس وعفتها..ونقاء السريرة..
وبالدار لا شيء.. غير "الحصيرة"
وسجادة من بلاد "الحجاز - هدية..
ومسبحتين..
ورسم يمثل فيه "علي"
وعن جانبيه "الحسن" و"الحسين"..
وجلد لأضحية ذات عيد مضى..
وبعض أواني فخار..
مهشمة من جميع الجوانب..
تساقط عنها الطلاء..
وبالدار أيضا رسوم..
"هلال,ونجمة.. ورسم لسيد
وخط قديم..
يمثل أسم "الجلالة " واسم الرسول "محمد"..
وفي أسقف الدار أوراق مكتوبة
بحبر "الكتاتيب"-بعض يصد..
ويبعد عنا الحسد
وبعض يجابه مكر الشياطين والجن وبعض يحارب
ويبطل فعل العقارب..
وأما في الحجرة الثانية..
فإن بها "العبد لله" وحده..
وبالدار "سدّة"..        
ومن تحتها في "الخزانة" 
ومناديف صيد قديمة
وبعض الشباك
وبعض المحاريث- من خشب صنعها - لم تزل..
وبعض قلل
وأكياس قديمة كانت معبأة بالغلال..
-جميعا بقايا
سنين عطايا.. 
سنين نضال..           
وعند وسادي صندوق هدده"السوس" بالانتهاء..
يضم "المناوي" وأوراد أخرى..
وقصة "قيس" وأشعاره.. وقصة "سيف بن ذي يزن"وسواه..
وكان أبي يود لو أني نورت فكري بها..
لأصبح بعد "فقيها" و"شيخا"له في "القبيلة " عز, وجاه.. 
- ومن كل ذلك يا سادتي لم يكن..    
لأني هجرت "الكتاتيب"طول حياتي..
وآخر ما كتبت راحتى فوق "لوحي"
إذا كنت لازلت أذكرها - "لم يكن"..
تقول "البطاقة"..
ولكنها لم تقل أن عمي..
- برغم الذي كان بيديه من عفة ووقار..
فقد كان "رجعي"فكر و"فاشي" حكم- خليط الطباع..
فأمّه تركية الأصل, قد أورثته التعالي..
وحسب "الأنا"
وأن يمشي في خلاء "الطواويس".
لولا احدداب بظهره.
تعلم عند موائد "بالبو" فنون الخداع..
ومن كؤوس الخمر روّاه مكرا وخبثا
وعلمه كيف يسطو على الحق.
ولا يفوتني هنا أن أشير أنه من عوامل نجاح الديوانية التي رصدها الشاعر تعويله على المفردة العاميّة, وأحيانا المفردة غير العربية الشائعة على لسان العامة ليقدم صيغا إنسانية ظامئة لمعالجة شعرية !!..
وفي نهاية مطالعتي المبسترة للقصيدة التي كابدها الشعر عبد المجيد القمودي صالح أجد من المناسب التأكيد على أن "خطورة الفن تنبع من أنه الأب الحقيقي للثورات والابن غير العاق للقواعد والأصول" في قصيدته قطعة أكيدة من هذا المفهوم..
يقول الشاعر:
إنني لم أنس يوما, وأن أصفع "صعلوكا" لئيما
جاء من "تكساس" يمتص دمائي
- عندها في "حقل نفط" كنت عامل..
أما بالنسبة للقصيدة التي تناولت المرأة نلتقي بوجدان مهذب, وكلمات طهور تقف محتشدة في شتاء المعني.. قصيدة تمتهن الذعر لزنزانة تقبع فيها المرأة كمنظومة خدماتية..أليس كذلك؟! 
حاشية:
- عبد المجيد القمودي صالح..
- تخرج في معهد الخدمة الاجتماعية- بنغازي          
- زاول العمل الوظيفي بدار رعاية الأحداث بطرابلس ثم بمكتب الخدمة الاجتماعية بالزاوية
- صدر له ديواني شعر:
1- "زغاريد في علبة صفيح " 1973 -ثم أعيد نشره في طبعة ثانية بـ" قصائد بين يدي وطني". 1982 - المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع
2- " أغنية البحر" المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع 1984 جمعه ونشره فوزي البشتي- تخلله التحوير والخلط - راجع: أحمد علون القنصل - " عبد المجيد القمودي صالح.. الشاعر الملتزم.."  فصل " النقد التوثيقي للشاعر" رسالة ماجستير  - جامعة الفاتح- 1994 .
- تجدر الإشارة أن قصائد الشاعر الفصيحة والعامية المضمنة بهذا الكتاب نقلت كما هي ولم أحور فيها أو أصوب وهي بالتالي تعكس ثقافة صاحبها.