الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
 
أزهار من بلادي
" بطاقة تعارف تسعينية ":
 
في القصيدة الحداثية الأمر يتعدى كل الصدق.. يتعدى كل الخطاب المنبري .. يتعدى دوائر الوعظ والإرشاد إلى مساحة من التجربة ذات المعترك الفلسفي الوجودي.. أسئلة الــماهية إطارات المعنى المتبدل على الدوام.. تغيير المصطلح التاريخي للكلمة والنزق الكـــريه والممتد عبر آلاف الكلمات التي تعادي إشارات المرور وحرس السواحــل.. كل هذا لربما يشكل شيئاً من ملامح القصيدة الحديثة.. إذن لعل أهم ما يلحق الضرر بالقصيدة اليوم أو لنقل أشرس هجمة تعترض النص الشعري وتجعل منه هشيماً مظلماً هو كلاسيكية الحداثة وبالنظر إلى منجز شعراء التسعينيات في ليبيا نلحظ سمة واضحة تميز هذا المنجز وهي اللاسمة.. حيث صارت القصيدة تذرع هموم الشاعر وفق ذاتيته ووفق أنموذجه الخاص للطرح على مستوى الشكل والمضمون.. هذا الأنموذج يتزامن مع أنموذج آخر غالباً ما يكون - هذا الآخر - غير مخلصٍ حتى لمسألة سياق التجربة الذاتية.
من التجارب التسعينية التي تلتزم بخصوصية على مستوى الطرح الحداثوي والمنشغلة بالهم اليومي قصيدة عبد الوهاب قرينقو والتي تختص بملامح مشرقة على مستوى المغامرة من زاوية الشكل ومن زاوية استخدام المفردة..
فمثلاً.. في نص " المجهول "1 لهذا الشاعر الشاب نرصد قوله:
- البيت تماماً مقلوب
والماء إلى رصيف الدار فائض
. عندما دخل
وجد الهاتف معطلاً
السيارة وحده مكانها
يضحك في الظلام
أما قصائد رامز النوصيري وعبد الحفيظ العابد وعبد الدائم كواص فهي قصائد مجهدة بتوقها للبناء التقليدي وانتماءها مباشرة للجمالية الرومانسية.. هذا الطموح يعطيها حضوراً في أذن المتلقي الذي لا يزال لم يستسغ القصيدة الحداثية في حوار ذائقته لكنه يحرمها شرف مغامرة الحداثة التي هي خبر العصر ومعناه..
فمثلاً في قصيدة "المهزومة 2" لعبد الدائم كواص نرصد قوله:
لماذا أطلت عليّ الغياب              وتعلم أني أخت الضجر
وأني أحبك رغم العناد        رغم الحياء ورغم الحذر
صددتك حين سعيت إلي         حبيباً رقيقاً كلحن الوتر
تهل عليّ بكل السعادة           أعرض عنك ولا اعتذر
أدافع عنك وحين تعود      يزيد غروري لحد الخطر.. الخ
هنا يبدو واضحاً أن اللغة مهزومة مع إيقاعها العصري ولم تشهد أي مغامرة أو خطاب بالمستوى الذي ما من شأنه يمكن أن يقدم مدلولات وترميز يتماشى وضرورات الواقع المعيشي واليومي. إنها محاولة لبناء شكل قديم بلغة قديمة واجتراراً لجمالية من معاقلها عند منتصف القرن الماضي..
 
أما الطائفة الثالثة من شعراء التسعينيات مكونة من شعراء هاجسهم الموضوع بمعزل عن هموم الشكل وأسئلة الطرح.. وهذا بالضبط ما نلحظه في نصوص سعد الغاتي وخالد درويش وما يميز نصوص هؤلاء البساطة والترميز الرموز الصغيرة و المباشرة مع النزوع إلى التراث لاستعارة رموزه كلما أمكن ذلك ..
فمثلاً نص سعد الغاتي نص بسيط حتى يكاد يفقدك صوابك لكنه صادق.. نص غير معني بتنظيرات الحداثة ولا خطابات القدامة.. زاده الاغتراف من معين الذات وما يعتمل فيها من وجدانات وتطلعات.. إنه نص شرعيته أن صاحبه يؤمن به نصا بل ويستبسل في النضال من أجله ومن أجل قضية أزمة النشر التي يبدو أنها أذاقته ذرعاً.. نرصد قوله في نص " يا صديقاً لم أره " 3 الذي يخاطب فيه الجيلاني طريبشان:
تموت من أجل من ?
أمن أجل قافية عنيدة !
أمن أجل مجموعة شعرية لا تجد ناشراً !
 
رغم أن طرح مثل هذه القضايا وبهذه المباشرة البالغة الصراحة لم تستسغه الذاكرة الحداثوية إلا أن الأمر ومع قصيدة الغاتي يختلف تماماً فمثل هذه القضايا تشكل هاجساً حقيقياً لذا فكتابته عنها تأتي تعبيراً عن موضوعه أو مأساته الحقيقية.. فهي تسرق حضورها من حالة الصدق التي تحاور الشاعر بعيداً عن مستوى الطرح الفني.. أيضاً ما يميز نص الغاتي خطابه المرتبك للأنثى.. المميز فيه أنه دعوة مستمرة أو نداء ملّح إلى أنثاه التي تغض الطرف عنه إنه خطاب شديد البراءة..خطاب طموحه إقناع الآخر بذات الشاعر فمثلاً في نص " إن الفؤاد طواك " 4 يقول:
أجئت لتعيد
ترتيب حسني !
أجئت لتعيد
ترتيب جفني
لماذا أتيت إذن !?
- كما أسلفت - إنه خطاب ظل مخلصاً بالنداء إليها وما يؤكد هذا عنوان ديوانه الأول " إلى امرأة تكرهني "
أما على مستوى الكتابة النسائية التسعينية فالأمر يشهد ظاهرة " تنسك النص " إن جاز التعبير فإنه يصير بإمكاننا القول بأن النص التسعيني الأنثوي نص متتلمذ وأنيق بل ويرتدي زياً مدرسياً وسارح شعره إلى اليمين .. يشجب كل ما من شأنه أن يشاغب ويكتب في جل المناسبات القومية كنص"نارالضاد5    لجنينة السوكني الذي كتبته بمناسبة صدور كتابٍ للدكتور على فهمي خشيم والذي أرجع فيه اللغة اللاتينية إلى العربية هذا إذا ما اعتبرنا أن أم الخير الباروني وحليمة الصادق وجنينة السوكني نماذج يمكن لها أن تمثل النص التسعيني.
ويشذ عن هؤلاء نص حواء القمودي الذي ينزع بعض الشغب الثمانيني.. في نصها " ما الذي يبقيني هكذا " 6 نرصد قولها :
"استدرجه إلى غرفة باردة ترفل في عريها المثقل بضجيج أنثى تصهل ثاقبة أذن النهار الصماء..أغويه بنهد يتلمس في الظلمة يداً لا تصل.. أزرعه حيث أرض النشيج ترسم قحطها الموغل في الترف " .
وبغض النظر عن المستوى الفني لهذا الأنموذج إلا أنه يصلح للتدليل على ما طرحناه للنقاش .
والمتأمل في تجربة الكتابة النسائية التسعينية يمكن أن يلحظ مساحات من الخلق الفني الجيد في نصوص  حليمة الصادق7 كقولها :
# الوقت محاصر
والشمس مصابة بالنرجسية
طفلي أحياناً يلاحقها
# وجه اتكأ على نصفي
وارتقي
جسداً نصفه جزع
تحلبه شمس الحصاد
وبعد هذا العرض صار بإمكاني أن أدلي برأيي عن قضية التسعينيون المثارة للنقاش وأستطيع أن أعلن اختلافي عن ما كتب عن "التسعينيون" كنص جماعي.. لأن ثمة أسباب موضوعية على مستوى النص من الأساليب الفنية إلى شكل القصيدة إلى المضمون تجعل من مصطلح "التسعينيون" بمعنى الجيل الذي يحمل بياناً مشتركاً مصطلح سيئ الاستخدام وغير معرفي. أما إذا ما استخدم مصطلح    " التسعينيون " كرمز للشعراء الذين سبق ذكرهم في هذا المقال وغيرهم بمعنى أنهم جماعة تجمع بينهم وشائج فكرية ثقافية اجتماعية دون حشر لمعنى " بيان جيل " كصرخة وجود.
فهنا أتصالح مع هذا المصطلح وأتحين الفرصة وأقول: إن أمام النص التسعيني المتمثل في شاعره تحديات كبيرة على مستوى الإنجاز والابتكار وأن ما نراه في بعض التجارب يعطي حيزاً كبيراً من الأمل على مستوى المغامرة بالنص.. بالمقابل هناك تجارب تجـــنح إلى " استحلاب التصفيق " على رأي بعض المهتمين الذين أشاطرهم الرأي كون التصفيق عادة لا تناسب النص الحديث ولا تنسجم مع ظروفه وإذا ما سعى الشاعر وفق هذا المنهج فإنه حتماً سيقع في شراك التقليد الذي لا يمكن له أن يثير انتباه المتلقي و يدفعه إلى السؤال الذي بدوره يفعّل مساحة الحوار بين النص ومتلقيه.
 
 
هوامش :
1 - نص " المجهول "..مجلة الفصول الأربعة - العدد 98.
2 - نص " المهزومة " مجلة الفصول الأربعة - العدد 99 .
3 - احتفالية النورس ..مجموعة شعرية..الطبعة الأولى 2001 ..سعد الغاتي .
4 - المصدر السابق .
5 - نص " نار الضاد "صحيفة الجماهيرية..العدد: 3694 بتاريخ :24 - 25 /5/2002 .
6 - نص " ما الذي يبقيني هكذا " مجلة الفصول الأربعة - العدد 97 .
7 - نصوص منشورة بصحيفة الجماهيرية - العدد 3676 .