الصفحة الرئيسية
موقع الشاعر والكاتب صلاح عجينة
مــداخلة:  3
النيهوم المثل في حُلم أبوشناف
(سسيولوجيا أدبية)
 
إذا ما تجسّدت في ذهنك صورة لكاتبٍ ليبي لا ترتادهُ القصيدة, وهو يرتدي بنطال جينز ومعطفا من زمن النُدرة وندب أحلام وتجاعيد على وجهه الليبي الأصيل نافثا تبغه بشراهةٍ فلا يعني ذلك حتما أنه الصادق النيهوم فقد يعني أيضا منصور أبوشناف الذي بدوره استلم أحلاما كثيرة مارسها النيهوم مجتمعة وحيدا بعبقرية ودهاء وسط هزيع رهيب..وإذا ما انطفأت الذاكرة في مصراته فلابد أنها نقطة لقاء جغرافية بينهما ..تُمثل للنيهوم فرار جده به منها لظرف السبخة والتقليد فهي منبته الذي لم يتذكّره أبدا وتُمثل لأبوشناف هجرته الأولى نحو عالم المعرفة من جبال بني الوليد القاحلة, وهما من القلائل التي مرّت بهم مصراته ولم تجعل منهما مثقفين من أمثال د.عمر الشيباني ود.علي خشيم وإبراهيم الغويل وعبد الله مليطان ومحمد الشويهدي ومحمد حمدان المصراتي ود.جمعة عتيقة ومحمد الزكرة ود.إبراهيم رفيدة ود.محمد وريث, ورغم اغترابهما عن المدرسين والموجهين التربويين من الخلف الصالح السالف ذكرهم وغيرهم, إلا أنهما قد حافظا على وتيرة التداول على المعرفة بجدّة واستنهاض الوقت للاشتغال الثقافي وبناء المراحل ونحت التجارب رويدا رويدا وبخلاف أيضا الذين وجدوا الزاوية فيهم مثلا..فهؤلاء لهم خصوصية تحديث غريبة في عالم الثقافة الليبية..فعبد اللطيف بشكار منذ أن جذع د.خشيم أنفه ولكمه لكمات عديدات بعد إيقافه من إكمال تلاوة نصوصه " أناناهوكم" و "ها هوة الرمال" و"أينشتين لوغاريتم" وهي آخر صراحات حداثة الشعر الليبي خلال الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لصدور أول ديوان ليبي عام 1992 بمركز جهاد الليبيين قد انكفأ في ريف الزاوية الجنوبي وفي رأسه ذكريات حرب محزنة..أما عطية أبوصبع الذي أصدر كراريس شعرية عديدة باللغة الفرنسية ومعارض لفنه التشكيلي في باريس وبرلين ومدريد لا يعرفه أحد في ليبيا ماعدا شقيقه المقيم في بريطانيا..أما الذي يتحرك المكان تحت قدميه.. علي الزويك فقد تاه في البحث في أفعال صوتية على غرار "البكة" و"الشهقة" عبر لوحة من عالم مجهري غريب انتبه إليها عدلي رزق الله ومحمد بنيس معا يسميه أبوشناف- ما بعد البصر..أما المحجوبان فقد اختنق العم بالبخور منتجا الومضة للشعر الليبي وابن الأخ ذاب لحاه في جاك دريدا وأقسم أن لا يلقي نصا أو كلمة نقدية على منبر..إلا في المركز الثقافي التونسي بطرابلس.
وهما - أي النيهوم وأبوشناف - غير مثقفي بنغازي المحتجين منذ زمن عبد ربه الغناي إلى زمن محمد الأصفر وصالح قادربوه باستثناء سالم الكبتي وهما غير مثقفي هون و مزدة الصحافيين.. هما غير بقية النثر الثقافي الليبي- مثقفو التراث الشعبي-.
أوه.اللعنة...قد يسرح الخيال في ميثيولوجيا الكتابة وجغرفتها..منصور أبوشناف كاتب تمثّل النيهوم واستحضره على الدوام..لكنه كان مهيأً لذلك بالموهبة الحقّة وبجاهزية ثقافية ذات امتياز.. أخفاه في نفسه عن نفسه بخلاف المقلدين الجوّف الذين وصم كتابتهم سليمان كشلاف بالكتابة بحافر الحمار ووصمهم آخر بالفتيان وكان أصغرهم وآخر بالظاهرة النيهومية وكان أفقرهم للقراء, أما الهادي بن كورة الذي يستظل بشجرة بميدان الزاوية التليد مقابل محله المكتوب على ناصيته [ الشاهد] والملئ بصور ثوار العالم من جيفارا ومعمر القذافي وجمال عبد الناصر وكاستروا وماتسوتونج وبن بلة وأدباء العالم من ماركيز والنيهوم والمسعدي ومنيف وغيرهم فقد قلب الفكرة من أساسها ورأى أن عبد الله مليطان قد أخطأ عن طريق سوء النية والتلمذة عن المدرسين الأوائل بأن جمع النيهوم مع البقية في معجمه عن الأدباء الليبيين..إذ لا يجوز- حسب رأيه- جمع المعلم بالتلاميذ في خانة واحدة..ثم يستدرك أن النيهوم ليس معلما إنه صاحب حالة وأنه رآه وصديق له جزائري مرة واحدة بفندق ليبيا عند منتصف السبعينات ثم يقول إن الأدب الليبي لم ينجب إلا اثنين معمر القذافي الذي فرّ إلى جهنم والصادق النيهوم الذي فرّ إلى الجليد.
لكن أين بالضبط لاحق أبوشناف النيهوم وأين افترق عنه ؟
منذ البداية لابد من الاشارة إلى حقيقة الربكة التي سببّها النيهوم إلى جيله الستيني وما قبله إذ بسطوع مقالته الناقدة وتحققه من الشرط الثقافي الأصيل وزهده عن الظهور الإعلامي أكسبه ضخ أسطوري معتمد على غموض وأهمية ما يقول وهذا الكسب زاد من حجم الإحراج لمجايليه وجعل من أدبهم أدبا كاسدا لايباع ولا يشترى كرأس مال معرفي باستثناء إبراهيم الكوني الذي ظلّ يحاوره في مجلة الإذاعة ويسبغ عليه ملامح لحقول معرفية ما كان للنيهوم نفسه أن ينتبه إلى ممارستها وعلى رأسها الشعر- يقول الكوني:والشعر أيضا يكتب النيهوم- وقد ظفر الكوني لقاء ذلك بدروس مهمة من خله الأسن منه وأول هذه الدروس الوقوف بمنأى عن الضجيج والزهد في الاعلام والاختفاء ودروس أخرى ومع تحلل جسد النيهوم في التراب عام 1994 بدأ الكوني يتخلص من ركاكته وقزم أعماله الأولى..صار الكوني الناطق باسم موهبته الفذة وصبره العظيم ونصائح وتجارب النيهوم الكثيرة والتي كانت في متناوله مباشرة وبهذا التعزيز انتعش الكوني أدبيا منذ منتصف التسعينات رغم أنه ينحدر إبداعيا من جيل الستينات.
ملاحقات منصور أبوشناف أو تمثلاته للصادق النيهوم! :
هل أقول بالاتفاق الضمني هنا, أم هو الالتقاء على سبيل التناص وحسب, أم هو الاشتغال المسبق؟!
وخطوط الالتقاء يمكن الإشارة إليها كالتالي:
-        التصدي للجهل والأمية والخراب النفسي بالثقافة الشمولية, والتي تنهض عبر الكتابة بأجناسها المختلفة..الرواية-المسرح - النقد الأدبي- المقالة الأدبية- التشكيل- السينما-الترجمة- باستثناء الفكر الديني والسياسي, فأبوشناف ليس لديه فكر تمثله كتابة فهو أديب وحسب بخلاف النيهوم الذي بشّر بأفكار تخص الديمقراطية والإنسان العربي والبدائل التاريخية التي يملكها, وفي ذات الوقت نجد أن علاقة النيهوم بالتشكيل واهتمامه به تم في مرحلته الغامضة لدينا, ألا وهي عقد الثمانينيات, وكل ما ترصده الذاكرة هو رغبته في تعريب الجدار, أما أبوشناف فإنه اتجه فعليا للكتابة في التشكيل من خلال الرسامين والنحاتين الليبيين غثهم وسمينهم عبر زاوية شهرية بمجلة المؤتمر الصادرة عن مركز الكتاب الأخضر منذ أربعة أعوام, وقد نتفق أو نختلف حول أهمية هذه الكتابة أو بالأحرى عن فقدانها للشرط العلمي وركونها للإنشاء وبأسلوب البطاقات التعريفية التي تُلقى في الأنشطة الثقافية, إلا أننا لسنا بصدد تقييمها فنيا بقدر ما هو رصد سسيولوجي يبحث عن مقاربة, ولعلَّ اتجاهما إلى هكذا حقول محركه بلوغ مرتبة الفقيه العالم الذي يفتي للناس في أمور دينهم ودنياهم كرجل معرفة وحدس صالح لكل شئ.
-        كلاهما لم يتورط في مهام الإدارة الثقافية, فلا نعرف عن كليهما إلا كونه كاتبا وحسب, باستثناء قصير الأمد يخص النيهوم في تجربته في العمل في الاتحاد الاشتراكي.
-        عدم الاهتمام بنشر الكتب, فالنيهوم الذي تبلغ مكتبته حوالي عشرين كتابا, جلّها أعد وجمّع من قبل الناشرين سواء في حياته أو بعد مماته, والأصل في هذه الكتابة معدّة للنشر اليومي أو الأسبوعي, ولعل نشر دراسته [العودة المحزنة إلى البحر] في كتاب هذا العام, والمنشورة أصلا عام 1969 بصحيفة الحقيقة بيّن مدى ارتباك حلقاتها حين صففت معا.أما أبوشناف فلم يصدر له حتى الآن كتابا واحدا رغم إشرافه على سلسلة إصدارات مجلة المؤتمر, و...!!.
-        على المستوى الإنساني يتفق من عرفوا النيهوم على دماثة خلقه وإنسانيته, وأجدني أقول بهذا أيضا لـ (أبوشناف) بخلاف بقية جيله الأيدلوجي.
-        انهمام النيهوم بليبيا كمشروع إعادة اكتشاف الذات برؤيتنا نحن- [ يقول النيهوم في إحدى مقالاته القديمة بصحيفة الحقيقة: إذا كان ثمة من شعب يموت من الجهل بنفسه, فلابد أن ليبيا مقبرة قديمة]- جعله ينجز موسوعته [تاريخنا], وأبوشناف ظلَّ يراوده الحلم ذاته حتى أوجد له رديفا تجلّى في موسوعة توثيقية مرئية عن ليبيا تحت مسمّى [طريق الإبل في الصحراء], ما يجعلك تتذكر هذا التناص بالذات هو لغة العملين الأدبية والتي تبدو متقاربة جدا.
-        النيهوم ساهم من خلال خبرته في إعداد الموسوعات بموسوعة [ النهر العظيم] عن النهر الصناعي, وأبو شناف تبعه في هذا الحلم من خلال خبرته في إعداد الموسوعات المرئية بشريط مرئي بعنوان [ أربعة آلاف يوم من العمل السري] الذي يحكي قصة الثورة الليبية.. وقد اتفقا أيضا بأن كلا العملين بدون إمضاء استجابة لرغبتهما في نبذ الذات من أجل الجماهيرية.
 
 
 
لكن أين تخلّف عنه أو افترق:
-        لم يلعن الفقهاء, ولم يبحث عن بدائل لديمقراطية عربية, فهذه الأحلام تحتاج إلى العمل في حقل الدراسات المقارنة, وإلى الفكر فهي حقول شائكة فعلا, على مقاس النيهوم وليس على مقاس مريديه.
-        النقد الأدبي في اشتغال أبوشناف ظلَّ على المستوى المحلي بخلاف النيهوم الذي كان اشتغاله على كبار شعراء العربية, وهذا تحديدا رهين تطور الثقافة في ليبيا, سيما على مستوى النص الإبداعي شأن الأقطار العربية البعيدة عن الأنهار.
-        الاعتراف بالليبي, - كإنتاج وبحالة احتفاء- من قبل الأستاذ أبوشناف- وهو كما أشرت رهين الظرف التاريخي أولا, ولتجربة الكاتب وظروف إقامته ثانيا, إذ لابد من فروقات في التجربة بين من يمطط حلمه على مقاس عواصم العالم في زمن الأمية المحلية, وبين من يكابد غبار الصحارى وتأخر الجريدة اليومية, وثالثا الوقت الذي خسره أبوشناف تحت طائلة الفقد الإجباري.
-        كتابة أبوشناف تنطلق من كونه أحد المواطنين, بخلاف النيهوم الذي يكتب بعقل سائح.
-        الايدولوجيا: بينما ظلَّ النيهوم يبحث عن الانسان كجوهر بعيدا عن النظريات, نجد انشغالا تشهده بواكير أبوشناف الفتى بأيدولوجيا بعينها.
هذه المداخلة ليست محاسبة لأحد, أو تقييما لأحد, إنما هي مقاربة على سبيل التحية والتفقد والدعوة للأستاذ منصور أبوشناف, فالتحية له لأنني أحترم اشتغالاته الثقافية عموما, سواء اتفقت معه على أهمية بعضها أم لم نتفق, والتفقد وهو ما أرجوه من خلال هذه المداخلة, والذي يطال مشروعه الثقافي عموما بالحوار, فأنا لم أعثر عن كتابة تخصه رغم أهمية موهبته مقارنة بالكثير, وهذا ناجم عن غياب الشاهد المكتوب وكذلك للتشتت الإبداعي, هذا التشتت الذي نال أيضا من النيهوم رغم التفاوت الملحوظ بين التجربتين, والدعوة بأن يهتم بالإشراف على إصدار أعماله, وتنسيقها, سيما أنني أثق في موهبة أبوشناف, ولولا هذه الثقة ما وضعته في مقارنة قد يستهجنها البعض.